على بعد أمتار قليلة من شاطئ بحر مدينة غزة، جنوب ميناء غزة البحري، يحاول إبراهيم أبو عجوة (39 عامًا) وأبناؤه العشرة يوميًا شق قنوات ترابية لتصريف مياه الصرف الصحي بعيدًا عن خيمتهم، في محاولة يائسة لمنع تسربها إلى أماكن إقامتهم داخل مخيم النزوح.
أبو عجوة، الذي نزح من حي الشجاعية شرق مدينة غزة بعد تدمير منزله من جراء الحرب الإسرائيلية، لم يتمكن من العودة إلى منطقته بسبب استمرار وجود قوات الاحتلال هناك. وبعد تنقلات متكررة خلال عامين من الحرب، استقر قبل شهرين في منطقة الشاليهات على شاطئ البحر، ليجد نفسه أمام كارثة بيئية جديدة تضاف إلى سلسلة معاناته.

معاناة يومية
يصف أبو عجوة الحياة في الخيمة بأنها "جحيم يومي"، إذ يعاني أطفاله العشرة حكة مستمرة وبثورا جلدية نتيجة لدغات البعوض، إضافة إلى تسرب مياه الصرف الصحي إلى محيط الخيام.
ويضطر الأطفال، رغم شدة الحرارة، إلى ارتداء ملابس طويلة الأكمام ليلًا، في محاولة للحد من لدغات الحشرات التي تزداد انتشارًا مع حلول الظلام.
ويقول أبو عجوة لصحيفة "فلسطين": "لا نستطيع النوم ليلًا، مرة بسبب الروائح الكريهة ومرة بسبب الحشرات والقوارض المنتشرة في المكان".
وأضاف أن بعض الزوار يفرون سريعًا عند الوصول إلى المكان بسبب شدة الروائح وانتشار البعوض، مشيرًا إلى أنه حاول استخدام مراهم وأدوية طاردة للحشرات دون أي جدوى.
ويستذكر حادثة كادت أن تودي بحياة أحد أطفاله، حين سقط بالقرب من مياه الصرف الصحي المتدفقة، قبل أن يتمكن من إنقاذه في اللحظة الأخيرة.
ويتابع بصوت يملؤه الألم: "كل أبنائي مرضى بسبب هذه الحياة الصعبة، أشعر أحيانًا أن المجاري فعلت بنا ما لم تفعله الحرب".
ويناشد أبو عجوة الجهات المعنية التدخل العاجل لإيجاد حلول جذرية لتسرب مياه الصرف الصحي بين خيام النازحين، التي باتت تهدد حياتهم بشكل مباشر.

معاناة مضاعفة
ولا تختلف حال عائلة ريم جنيد (24 عامًا)، التي تعيش هي الأخرى قرب تجمع لمياه الصرف الصحي، إذ باتت تلك المياه مصدر خوف يومي لها ولأطفالها.
وتروي جنيد لـ"فلسطين" أن ابنها الصغير "إياد" خرج للعب قرب المياه الملوثة، ما أدى إلى إصابته بأمراض جلدية استدعت نقله إلى المستشفى أكثر من مرة.
وتشير إلى أن طفلها يعاني أيضًا صعوبة في التنفس وآلاما في الصدر، إضافة إلى طفح جلدي، مرجعة ذلك إلى استنشاقه الروائح السامة وانتشار الحشرات والقوارض في المكان.
وتقول: "لم أعد قادرة على توفير العلاج لابني وزوجي المقعد، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام الدخل".
وتوضح أن زوجها يعاني شللا نصفيا ويحتاج إلى أدوية ومستلزمات طبية وحفاضات لا تستطيع توفيرها، إلى جانب احتياجات طفلها العلاجية الأساسية.
وتضيف أنها نزحت من مخيم جباليا في 5 يونيو/حزيران 2025، بعد إصابتها في يدها اليمنى جراء القصف الذي أدى إلى تدمير منزلها، قبل أن تتنقل بين عدة مناطق لتستقر في نهاية المطاف على شاطئ بحر غزة.
كارثة بيئية متفاقمة
وخلال حرب الإبادة على قطاع غزة، تعمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدمير شبكات المياه والصرف الصحي ومحطات المعالجة والخطوط الناقلة، ما أدى إلى تدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع وعلى شاطئ البحر، وقرب خيام النازحين في مختلف مناطق القطاع.
وتتنصل سلطات الاحتلال من التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء، إضافة إلى مستلزمات إعادة إعمار البنية التحتية.

وكان قد جرى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بعد عامين من حرب الإبادة التي بدأت في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بدعم أمريكي، والتي خلّفت أكثر من 73 ألف شهيد وأكثر من 173 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية في قطاع غزة.


