لم يبدأ الدكتور سائد مصباح الخور رحلته من مقاعد الجامعات أو أروقة الأكاديميا، بل من ورش العمل وأسلاك الكهرباء، فقد أمضى سنوات طويلة يكافح لتأمين لقمة العيش قبل أن يشق طريقه نحو التعليم العالي بإرادة استثنائية. وبينما نجح في تحويل حلمه إلى واقع، ليصبح أستاذًا للقانون في جامعة الأمة بغزة وأبًا يفاخر بأبنائه التسعة، جاءت الحرب لتطوي حياته وعائلته في مجزرة مروعة، تاركة خلفها سيرة رجل انتصر على الفقر والحرمان، قبل أن تغتاله آلة القصف.
تقول زوجته الأولى، أماني الخور (35 عامًا)، الناجية الوحيدة من المجزرة التي وقعت في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأودت بحياة زوجها وأبنائه التسعة وزوجتيه الثانية والثالثة: "سائد لم يكن زوجًا فقط، بل كان الأب والأخ والسند وكل شيء في حياتي. رحيله لم يكسر ظهري فحسب، بل أخذ معه روحي وكل تفاصيل أيامي".
من عامل كهرباء إلى أستاذ جامعي
وتستعيد أماني بدايات زوجها بفخر ممزوج بالحزن، قائلة: "بدأ حياته عاملًا في كهرباء المنازل، يكدح لتأمين احتياجات أسرته، لكن طموحه كان أكبر من كل الظروف. كان يعود إلى المنزل منهكًا من العمل، فيما كانت عيناه تلمعان بشغف التعلم والكتب. وفي سن السابعة عشرة قرر العودة إلى مقاعد الدراسة عبر برامج محو الأمية، لتبدأ رحلة طويلة من التحدي والإصرار".
وتضيف: "كنت أراه يدرس لساعات طويلة تحت ضوء خافت، يجمع بين العمل الشاق ودراسة القانون الذي كان شغفه الأول. كان يقول دائمًا: أريد أن أترك لأولادي إرثًا علميًا، وأن يكبروا مثقفين وواعين. واصل تعليمه رغم الصعوبات حتى نال درجاته العليا وأصبح أستاذًا جامعيًا يفخر به كل من عرفه".
أب حمل العلم رسالة
وتصف أماني زوجها بأنه كان أبًا استثنائيًا، أحاط أبناءه التسعة بالحب والرعاية، وحرص على تعليمهم وحفظهم للقرآن الكريم، وسعى إلى توفير الأمان لهم رغم ظروف الحرب القاسية.
وتقول: "كان يتابع تفاصيل دراستهم يومًا بيوم، ويؤمن أن العلم هو السلاح الأقوى في مواجهة الواقع الصعب الذي نعيشه".
أما داخل الجامعة، فتؤكد أن علاقته بطلبته تجاوزت حدود القاعة الدراسية، مضيفة: "كان يتعامل مع طلابه كأبنائه، يساعد المحتاج منهم ويشجع المتعثر، ويرى في التدريس رسالة وأمانة ومقاومة للجهل".
ذكريات لا يبددها الركام
وتستحضر أماني تفاصيل الحياة اليومية التي فقدتها برحيله، قائلة: "أفتقد جلساتنا المسائية، وحرصه على أن نقرأ معًا، ومشاركته لنا تفاصيل يومه وهمومه التي كان يخفيها خلف ابتسامته. كان يقول دائمًا إن البيت الذي يغيب عنه العلم والضحك بيت ميت".
وتتابع: "بعد رحيله أصبح الصمت أثقل ما في المكان. كان يغرس الأمل فينا كما يغرس البستاني أشجاره، واليوم رحل البستاني وبقيت الأرض مثقلة بالفقد".
وعن يوم المجزرة، تقول بصوت يختنق بالحزن: "لم يكن هناك أي إنذار. قُصف المنزل بمن فيه. نجوت فقط لأنني كنت في زيارة لأهلي. عندما عدت لم أجد سوى الركام. فقدت زوجي وأبنائي التسعة وكل سندي في الحياة خلال لحظات".
وتختم حديثها بالقول: "سائد لم يمت؛ فقد ترك علمًا وقيمًا في قلوب طلابه وأبنائه. قصته تشبه حكاية كثير من الفلسطينيين الذين حاولوا مواجهة العتمة بالعلم، لكن إرثه سيبقى حيًا مهما حاولت الحرب طمسه".
وبرحيل الدكتور سائد الخور، خسرت غزة أكاديميًا صنع تجربته بجهده وإصراره، ورجلًا حوّل العلم إلى رسالة حياة. سيرة بدأت بين أسلاك الكهرباء وانتهت شهيدًا، لكنها بقيت شاهدة على قدرة الإنسان على تجاوز المستحيل مهما اشتدت الظروف.


