{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبلٍ مِنَ النّاسِ} (آل عمران 112)
حبل أميركا مقطوع
العدوان الصهيوني لا ينقطع، كأنه طوفان من نار يحاول ابتلاع كل أثر للحياة، في سعي محموم للإبادة واقتلاع الحق من أهله. لا يعبأون بقانون أو تاريخ أو أعراف إنسانية، هدفهم واحد: فرض الباطل على أرض فلسطين، وإيهام العالم أن المقاومة انتهت. لكن هيهات، فهدى الله هو الهدى، وما يملكون إلا الضلال.
فلسطين، القدس، والمسرى ليست مجالًا للمساومة ولا موضعًا للتفريط. لا مهادنة مع الغاصب، ولا استسلام أمام الباطل. فاحذروا يا شعب فلسطين، فإنهم يسعون لتزوير التاريخ وترويج الأكاذيب كأنها حقائق.
أما أمريكا، فقد ألقت بثقلها كله في محرقة غزة، لا كسياسة عابرة بل كعقيدة توراتية إنجيلية متطرفة، تتغذى على نبوءات موهومة. تراها نفسها شعبًا مختارًا ينتظر المسيح المخلص، وتبني أحلامها على قيام دولة يهودية في فلسطين، عاصمتها القدس، وعلى أنقاض الأقصى يقيمون هيكلهم المزعوم. هذه العقيدة تبناها معظم رؤساء أمريكا، خاصة من الحزب الجمهوري المسيحي التوراتي، الذين تفاخروا بأنهم صهاينة وسعوا للتحول إلى اليهودية بالكامل، وكانوا وراء جرائم لا تُحصى ضد عالمنا العربي، من إسقاط العراق إلى إبادة غزة.
إنها مشيئة الله تعالى، الذي يمدّهم بحبلٍ من الناس، لكنه حبلٌ مقطوع. كما قال الله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} (البقرة 61). حبل الناس هو أمريكا، التي لا تنقطع مساعداتها في التفجير والإبادة والتدمير وقتل الأبرياء.
ومن هنا، فإن أمريكا بقيادة ترمب ليست وسيطًا، بل شريكًا كاملًا في المجزرة ضد الفلسطينيين. وسيكون ترمب أول من يدفع الثمن، فيسقط سقوطًا مذلًا ويجرّ حزبه إلى الهاوية، كما انهارت قوى اليمين في أوروبا. سيأتي قريبًا اليوم الذي ينقطع فيه حبل الناس، وتبقى هذه العصابات بلا مدد ولا سند.
اليوم، والعدوان على إيران يفشل تراكميا يمثل نقطة تحول مصيرية في علاقة الولايات المتحدة بـ"إسرائيل". بعد سنوات من الدعم غير المشروط، قد تجد الأخيرة نفسها منبوذة، محرومة من السلاح والتمويل والغطاء السياسي.
ومع تصاعد فشل العمليات العسكرية وتورط أمريكا دون خطة خروج، ستزداد الاتهامات، وقد يُلقى اللوم كله على "إسرائيل"، مما يفتح الباب أمام شرخ داخلي في السياسة الأمريكية ويُنشئ جيلًا جديدًا يعتبرها عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا. عندها، ستجد أوروبا فرصة لاستعادة استقلالية مواقفها، وسيُجبر الواقع الجديد "إسرائيل" على خيار مصيري: إما إنهاء الاحتلال والفصل العنصري، أو مواجهة انهيار شامل يعيد رسم حدودها السياسية والاقتصادية.
إن القيود الأمريكية المتزايدة على حرية الحركة الإسرائيلية ليست مجرد تكتيك عابر، بل قد تكون مقدمة لمرحلة جديدة قد تنتهي بقطع المساعدات عن تل أبيب نفسها. فالمزاج الشعبي الأمريكي يتغير، والرأي العام العالمي يزداد رفضًا لسياسات الاحتلال، ما يجعل استمرار الدعم غير مضمون كما كان في الماضي.
الرسالة من واشنطن واضحة: زمن الامتيازات غير المحدودة سينتهى، والقرار الأمريكي محكومًا مستقبلاً بضغط الناخبين وبصوت الشارع العالمي.
وحينها، ستعود الأمور إلى نصابها، ليتحقق وعد الله تعالى:
{وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} (الإسراء 7).

