قائمة الموقع

الزواج في غزة.. حلم مؤجل تحت وطأة الحرب وغلاء المعيشة

2026-06-21T11:17:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

لم يعد الزواج في قطاع غزة خيارًا شخصيًا بحتًا أو محطة طبيعية في مسار الحياة، بل تحوّل إلى معادلة اقتصادية معقدة تتحكم بها تداعيات الحرب المستمرة والانهيار شبه الكامل في مختلف القطاعات، وعلى رأسها قطاع الإسكان، ما جعل آلاف الشبان يقفون عاجزين أمام استحقاقات تكوين أسرة وبناء حياة مستقرة.

وفي قلب هذه الأزمة، يقف الشاب ياسر الخطيب أمام واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر. فبعد أشهر من خطوبته، لم يعد حلمه يتجاوز الحصول على غرفة صغيرة تؤويه وزوجته، إلا أن هذا الحد الأدنى من متطلبات الحياة بات صعب المنال في وجود أزمة سكن خانقة تعصف بالقطاع.

ويقول الخطيب لصحيفة "فلسطين": "لم تعد المشكلة في قلة الإمكانات، بل في غياب كل شيء، فلا مواد بناء متوفرة ولا خيارات حقيقية للسكن".

وتفاقمت أزمة السكن بصورة غير مسبوقة مع تدمير آلاف الوحدات السكنية ومنع إدخال مواد البناء، الأمر الذي أدى إلى اختناق حاد في السوق العقارية وارتفاع قياسي في أسعار الإيجارات، إذ تتراوح كلفة استئجار شقة متواضعة بين ألف و1500 شيقل شهريًا، في وقت تراجعت فيه دخول الأسر أو انعدمت بالكامل.

ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود السكن، بل امتدت إلى سوق الأثاث والمستلزمات المنزلية، إذ ارتفعت أسعار الأثاث المستعمل بشكل كبير. ويوضح الخطيب أن ثمن غرفة نوم مستعملة تجاوز 10 آلاف شيكل، ما يدفع كثيرًا من الشباب إلى تقليص متطلبات الزواج إلى أدنى حد ممكن أو تأجيله إلى أجل غير معلوم.

وفي محاولة للتغلب على هذه الظروف، اضطر الخطيب إلى إنشاء مأوى مؤقت من البلاستيك والشوادر فوق منزل عائلته، كما لجأ إلى شراء مستلزمات جاهزة بأسعار مرتفعة في ظل غياب المواد الخام، من بينها مجلى ألمنيوم بلغ سعره نحو 1200 شيقل.

ولا تقتصر الضغوط على السكن والتجهيزات المنزلية، بل تمتد إلى شكل مراسم الزواج نفسها. ويقول الشاب أشرف أبو عيسى، المقبل على الزواج، إنه اضطر إلى تقليص النفقات والتخلي عن العديد من المظاهر التقليدية، مثل الحفلات الكبيرة والولائم.

ورغم ذلك، لم يكن بالإمكان الاستغناء عن الحد الأدنى من الاحتفال، حيث أقام حفلًا متواضعًا في إحدى صالات الأفراح بكلفة قاربت ألفي شيكل، لتوفير ظروف مناسبة في ظل انقطاع الكهرباء وغياب الخدمات الأساسية.

لكن المفارقة المؤلمة تبدأ بعد انتهاء الحفل، إذ يجد كثير من الأزواج أنفسهم أمام واقع معيشي هش، قد يصل إلى الإقامة داخل خيام أو مساكن مؤقتة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار، في مشهد يجسد الفجوة بين فرحة البداية وقسوة الحياة اليومية.

كما طالت التغيرات عناصر أساسية مرتبطة بالزواج، مثل المهور والذهب. ويشير أبو عيسى إلى أن قيمة المهور انخفضت في بعض الحالات إلى نحو 1500 دينار، فيما تراجع الإقبال على شراء الذهب بسبب ارتفاع أسعاره، في انعكاس واضح للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها الحرب.

خيارات قسرية

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر أن ما تشهده غزة يتجاوز أزمة إسكان تقليدية، ليصل إلى مستوى "صدمة اقتصادية متعددة الأبعاد" تضرب المجتمع والسوق في آن واحد.

ويقول أبو عامر لـ"فلسطين" إن شلل قطاع البناء نتيجة منع إدخال المواد الخام أدى إلى تراجع حاد في المعروض السكني مقابل طلب متزايد، ما أوجد بيئة تضخمية انعكست بشكل مباشر على أسعار الإيجارات وكلفة المعيشة عمومًا.

ويضيف أن ارتفاع تكاليف الزواج يعكس تآكل القدرة الشرائية وغياب مصادر الدخل، الأمر الذي يدفع الشباب إلى خيارات قسرية، تتراوح بين تأجيل الزواج أو القبول بظروف معيشية غير مستقرة.

ويحذر أبو عامر من أن استمرار هذا الواقع قد يخلّف آثارًا اجتماعية بعيدة المدى، تشمل ارتفاع سن الزواج، وتزايد الضغوط الاجتماعية والنفسية، وتراجع مستويات الاستقرار الأسري، مؤكدًا أن معالجة الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة لإعادة تنشيط الاقتصاد وفتح مسارات إعادة الإعمار وتوفير مقومات الحياة الأساسية للسكان.

اخبار ذات صلة