قائمة الموقع

تفوق تحت خيام النزوح.. قصة إصرار من غزة تعانق حلم المستقبل

2026-07-24T15:43:00+03:00
تفوق تحت خيام النزوح.. قصة إصرار من غزة تعانق حلم المستقبل
فلسطين أون لاين

في قطاع غزة، حيث تتداخل تفاصيل الحياة اليومية مع جحيم الحرب وقسوة الظروف، لا يزال الأمل يولد من رحم المعاناة، وتصر الإرادة الفلسطينية على كسر قيود اليأس. وتحت خيام قماشية مهترئة لا تكفي لرد حر الصيف ولا تقي من قسوة الأيام، تتجسد أروع حكايات التحدي والصمود. هنا، حيث لا صوت يعلو فوق هدير الطائرات وقصفها المستمر وتوتر اللحظات الخانقة، تسطر الطالبة سما محمد هاشم الهجين (17 عاما)، قصة نجاح تلهم القلوب والعقول، بعد أن حصدت معدلا باهرا بلغ 95.7% في شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) للقسم الأدبي.

جحيم الخيام وحر الصيف وسط التوتر والقصف لم تكن رحلة سما نحو التفوق مفروشة بالورود، بل كانت طريقا شائكا وسط بيئة بالكاد تطاق؛ فالعيش داخل خيمة نازحين يعني المكوث في فرن صيفي مفتوح تمتصه طبقات القماش الرقيقة لتتحول إلى كتل نار ملتهبة، مع انعدام أبسط مقومات التهوية. وتتضاعف هذه القسوة مع حالة الخروقات الإسرائيلية المستمرة والغارات العشوائية التي تنقلب معها تفاصيل المكان، لتتلاشى أجواء المذاكرة الهادئة وتتحول إلى خوف دائم، ما جعل مسيرة التحصيل تحت أصوات الانفجارات وأنين الحصار تحديا يوميا مصيريا تجاوزته سما بعزيمة لا تلين.

رسالة فخر من قلب الخيمة

وفي رسالة خاصة وجهوها عبر صحيفة "فلسطين"، يروي والدا الطالبة تفاصيل هذه الملحمة اليومية. يقول محمد الهجين (45 عاما)، والد سما بعيون يملؤها الفخر والدمع المحبوس عبر منبر الصحيفة: "نقف اليوم لنقول إننا، ورغم مرارة النزوح وضنك العيش وقسوة الخيام، ورغم أننا خسرنا كل شيء، إلا أنني أدركت أن السماح للاحتلال بسرقة أحلام أطفالنا هو الهزيمة الكبرى. لقد كانت سما شمعة بيتي وسط الظلام، وكنت أسعى جادا لتوفير أدنى مقومات الصمود لها لتدرس، وها هي اليوم ترفع رأسنا عاليا وتثبت لقرائكم أن جيلنا يورث الأمل والعلم لا الاستسلام".

أما أم الوليد، التي تحولت خيمتها الضيقة إلى خلية نحل من الرعاية والدعم النفسي، فتضيف لصحيفة "فلسطين" بغصة يمزجها الفخر والوجع: "من بين نيران الحرب وتحت قماش هذه الخيمة، أرسل كلماتي لأروي قصة ابنتي التي تحدت المستحيل. كنا نتقاسم رغيف الخبز وقلق اللحظات، وكنت أراقب سما تراجع دروسها تحت لهيب الخيمة وأنا أصارع الخوف على حياتها وحياة إخوتها. لم تكن تملك مكتبا هادئا ولا إضاءة كافية، بل كانت تدرس ودموعنا تخالط حبر كتبها.

لكن إصرارها على التفوق كان يمنحنا القوة لنتحمل جحيم هذا الواقع، واليوم نرى ثمرة هذا الصبر المتجذر في عيونها لكل أبناء شعبنا".

طموح يغالب القهر وتخطيط يومي مرن
تفتح الطالبة سما قلبها لصحيفة "فلسطين" لتروي تفاصيل تلك الرحلة الشاقة قائلة: "والله كانت معاناتي كبيرة، وأنت عارف إن الدراسة بدها هدوء في ظل كل الأصوات اللي كانت عنا، بس الحمد لله قدرت وجبت المعدل".

وتستذكر لحظات الإحباط وكيف كانت تتغلب عليها بالصبر: "دائما كنت أشعر باليأس وأقول أنا ما إلي مكان أني أقعد بهدوء وأدرس الدراسة اللي نفسي فيها بجد، بس كنت أمنح حالي القوة في إني بدي أشوف أبي وأمي رافعين رأسهم ببنتهم ويقولوا بنتنا رفعت راسنا، وكنت أتخيل يوم النتائج وأقول بتستحق النتيجة".

وعن تفاصيل التنظيم اليومي وسط فوضى النزوح تضيف: "والله أنا ما كنت حاطة جدول؛ لأني ظروفي أنا كل يوم بتتغير".

وفي ختام حديثها، توجه سما كلمات العرفان لكل من وقف بجانبها، مؤكدة: "أهدي هذا النجاح إلى أبي وأمي، وإلى المصاريف التي كانوا يدفعون لي إياها رغم قلة الحيلة، وإلى أساتذتي الذين لم يتخلفوا عن دعمنا".

آمال معلقة على أعتاب الجامعات

وتختتم سما حديثها متحدثة عن طموحاتها القادمة وتطلعاتها للمستقبل: "أنا بعتبر الثانوية العامة مجرد المحطة الأولى في رحلة طويلة من الكفاح، وطموحي الكبير أني أدخل التخصص الجامعي اللي بحبه وأقدر أخدم فيه مجتمعي وأهلي وأرفع اسم وطني عالي". وتضيف بعيون متفائلة رغم قسوة الواقع: "حلمي الأكبر هو أني ألبس ثوب التخرج الأكاديمي يوما ما، وأثبت للجميع أن العلم هو السلاح الأبقى في مواجهة الدمار، وأن إرادة الحياة في غزة أقوى بكثير من كل آلات الحرب والتهجير".

رسالة أمل من تحت القماش

تعد قصة الطالبة سما محمد هاشم الهجين نموذجا حيا لصمود الطلبة الفلسطينيين في غزة، الذين يثبتون في كل عام أن العزيمة الحقيقية تنبثق من قلب المعاناة. إن تفوقها تحت وطأة الحرارة القاسية، وفي ظل التوتر والقصف المستمر، يرسل رسالة واضحة لكل العالم بأن جيل الشباب في غزة يصر على بناء مستقبله بيديه، حتى لو كان ذلك البناء مشيدا على رمال النزوح وتحت خيام البؤس.

يترك إنجاز سما بصمة واضحة في الذاكرة الجمعية لأهالي القطاع، ويؤكد أن شعلة العلم لن تنطفئ مهما اشتدت العواصف. وبينما تستعد سما لاستقبال مرحلة جديدة من حياتها الجامعية، يبقى أملها وأمل أقرانها معلقا بوقف هذه الحرب، لكي تستبدل خيام النزوح بمدرجات الجامعة، وتستكمل حلمها في خدمة مجتمعها ووطنها بكل جدارة واقتدار.

اخبار ذات صلة