استأنفت طالبات في قطاع غزة العام الدراسي الجديد، بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة التي عطّلت العملية التعليمية وألحقت أضراراً واسعة بالمدارس والمنشآت التعليمية، مع استمرار الدراسة داخل بيئة تعليمية مؤقتة تعتمد اعتماداً كبيراً على الخيام، وتواجه نقصاً في الخدمات والتجهيزات الأساسية.
وافتتح العام الدراسي للطالبات في مدرسة فهمي الجرجاوي بحي الدرج، شرق مدينة غزة، أمس، وسط جهود لتوفير المقاعد والسبورات والخيام التعليمية، إلى جانب برامج تستهدف معالجة الفاقد التعليمي وتقديم الدعم النفسي للطلبة.
مدارس مؤقتة
وقال مدير التربية والتعليم شرق غزة منير أبو زعيتر إن عودة المدارس لاستقبال الطلبة تمثل خطوة مهمة، بالرغم من الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها العملية التعليمية.
وأضاف أبو زعيتر لصحيفة "فلسطين": "سعداء جداً بعودة مدارسنا لاستقبال أبنائنا، وإن مدارس غزة أصبح يوجد منها مدارس لاستقبال الطلاب. صحيح أن هذه المدارس مؤقتة من الخيام، لكن عملنا واجتهدنا في وزارة التربية والتعليم مع الشركاء لإنشاء أكبر عدد من المدارس من هذه الخيام".
وأوضح أن الجهود شملت محاولة تحسين مواصفات بعض الخيام باستخدام الخشب أو الزينكو، إلا أن ارتفاع أسعار هذه المواد وندرتها وعدم توافرها جعل معظم المدارس تعتمد على الخيام.
مقاعد بديلة
وللتغلب على نقص المقاعد، لجأت الجهات التعليمية إلى إعادة استخدام المنصات الخشبية المخصصة للبضائع، المعروفة محلياً باسم "المشاطيح"، وتحويلها إلى مقاعد للطلبة، بدلاً من الجلوس على الأرض أو على قطع الإسفنج.
وقال أبو زعيتر إن العمل شمل أيضاً تحسين البيئة داخل الخيام، بما يوفر للطلبة الحد الأدنى من الظروف اللازمة لمتابعة دراستهم.
دعم نفسي
وتترافق العودة إلى الدراسة مع برامج للتهيئة والدعم النفسي، إذ أوضح أبو زعيتر أن الأسبوع الأول يتضمن أنشطة ترفيهية وتدخلات نفسية تهدف إلى تخفيف حدة الصدمة التي تعرض لها الطلبة نتيجة الحرب.
وأضاف أن هذه الأنشطة تساعد الطلبة على التوافق مع أنفسهم ومع زملائهم ومعلميهم، تمهيداً لعودتهم التدريجية إلى الدراسة.
تعويض الفاقد
وخلال العطلة الصيفية، جرى تدريب المعلمين على برنامج التعليم المسرّع، الذي يستهدف الطلبة من الصف الثاني حتى التاسع، ويركز على تعويض الفاقد في المهارات الأساسية، ولا سيما القراءة والكتابة في اللغة العربية والحساب في الرياضيات.
كما أُدخلت برامج أخرى، بينها التعليم باللعب والتعليم العاطفي للصفوف الدنيا، إلى جانب برامج تستهدف طلبة الثانوية العامة، بالتعاون مع مؤسسات وشركاء، بهدف استيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة وتمكينهم من متابعة المنهاج.
قيم ومناهج
وأشار أبو زعيتر إلى العمل على إدخال برنامج "غرس القيم"، لتعويض ما وصفه بغياب أو تراجع حضور التربية الإسلامية والتربية الوطنية والمواد الاجتماعية خلال الفترة الماضية.
وأوضح أن نحو 450 معلماً اعتمدوا ضمن برنامج لتدريس التربية الإسلامية والمواد الاجتماعية، إلى جانب المواد الأساسية التي تقدمها برامج التعليم القائمة، على أن يجري تنظيم حصص لهذه المواد وفق احتياجات المدارس.
معاناة المعلمين
ولا تقتصر صعوبات العام الدراسي على الطلبة، إذ يواجه المعلمون تحديات في الوصول إلى مدارسهم، خصوصاً مع وجود نسبة كبيرة منهم في جنوب القطاع.
وقال أبو زعيتر إن نحو 60% من المعلمين موجودون في الجنوب، وإن صعوبة المواصلات تحول دون انتقال كثير منهم إلى مدارسهم، حتى إن عدداً من المعلمين الموجودين في مدينة غزة يصلون إلى مدارسهم سيراً على الأقدام.
وأضاف أن الجهات التعليمية تعمل على ترتيب توزيع المعلمين وتقريبهم من مدارسهم قدر الإمكان، مع الاستعانة بالخريجين لسد النقص في بعض التخصصات.
أعداد متزايدة
وفي شرق مدينة غزة، أوضح أبو زعيتر أن عدد المدارس ارتفع من 17 مدرسة في نهاية العام الماضي إلى نحو 30 مدرسة مع بدء العام الدراسي الجديد.
وأشار إلى أن المدارس الحكومية في المنطقة تعمل بصورة مؤقتة، بين الخيام والخشب والزينكو، في حين تشكل الخيام نحو 80 إلى 90% من هذه المدارس.
وبحسب أبو زعيتر، يبلغ عدد الطلبة المسجلين في مدارس شرق غزة نحو 49 ألف طالب، إضافة إلى 62 مدرسة خاصة مرخصة، يتوقع أن تستوعب ما بين 15 و20 ألف طالب.
كما جرى التعاون مع جمعيات ومؤسسات لإنشاء أربعة مراكز تعليمية مؤقتة تقدم التعليم المجاني للطلاب، في ظل صعوبة الأوضاع الاقتصادية للأسر وقدرتها المحدودة على دفع الرسوم.
مدرسة تستوعب ست مدارس
وفي مدرسة فهمي الجرجاوي الأساسية، تبدو التحديات أكثر وضوحاً مع ضخامة أعداد الطلبة ومحدودية الإمكانيات.
وقالت مديرة مدرسة فهمي الجرجاوي الأساسية د. ربا أبو كميل إن المدرسة جرى تجهيزها بخيام تعليمية ومقاعد مصنوعة من الأخشاب، إضافة إلى سبورات للطلبة، لكنها تعمل في بيئة صعبة، موضحة أن الخيام "لا تقي من حر الصيف ولا من برد الشتاء".
وأوضحت أبو كميل لـ"فلسطين" أن المدرسة تخدم أكثر من ثلاثة آلاف طالب وطالبة، من خلال نظام تدوير يعتمد على فترتين، واحدة للبنات وأخرى للبنين، وبواقع ثلاث فترات لكل تدوير، ما يجعل المدرسة تخدم عملياً ما يعادل ست مدارس.
ولا يحدد التسجيل عدداً منفصلاً للطالبات أو الطلاب، وإنما يشير إلى أن إجمالي المستفيدين من المدرسة يتجاوز ثلاثة آلاف طالب وطالبة.
تحديات متراكمة
وتتمثل أبرز التحديات، وفق أبو كميل، في الأعداد الكبيرة للطلبة، ونقص الخدمات اللوجستية، والكهرباء والإنترنت، وغياب التكنولوجيا عن الصفوف، إضافة إلى الفاقد التعليمي الكبير لدى الطلبة، ووجود طلاب لم يلتحقوا بالتعليم خلال السنوات السابقة.
وأوضحت أن المدرسة تطبق برنامج التعليم المسرّع لمعالجة الفاقد التعليمي، من خلال تحديد المهارات التي فقدها الطلبة خلال السنوات الماضية ووضع برامج ومناهج تساعدهم على استعادتها ومواصلة مسيرتهم التعليمية.
بيئة متهالكة
ولا تنفصل البيئة التعليمية عن الواقع المحيط بالمدرسة، إذ تقع مدرسة فهمي الجرجاوي الأساسية داخل مركز إيواء تحيط به خيام النازحين.
وأشارت أبو كميل إلى أن مبنى المدرسة نفسه آيل للسقوط، في حين تعاني البيئة المحيطة الدمار، وتوجد مياه صرف صحي قرب بوابات المدرسة، ما يضيف تحديات صحية وخدمية إلى ظروف العملية التعليمية.
دعم التعليم
ودعت أبو كميل إلى دعم التعليم بكل ما يحتاج إليه من بيئة تعليمية مناسبة وغرف ملائمة للطلاب وخدمات لوجستية، إلى جانب تحسين البنية التحتية في محيط المدارس.
وقالت إن التكنولوجيا أصبحت عاملاً مهماً في العملية التعليمية في عام 2026، في حين لا تزال المدارس القائمة داخل الخيام تفتقر إلى التجهيزات التقنية، ويضطر الطلبة إلى الوصول إليها عبر طرق وشوارع مدمرة ومليئة بمياه الصرف الصحي.
ومع بدء العام الدراسي، تحاول المؤسسات التعليمية في غزة إعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة على الرغم من محدودية الإمكانات، في وقت تتداخل فيه تحديات البنية التحتية مع آثار الفاقد التعليمي والظروف النفسية التي خلفتها سنوات الحرب.