لم يكن غياب الدكتور محمد إبراهيم حماد عن أروقة كلية الإدارة والتمويل في جامعة الأقصى مجرد فقدان لأستاذ جامعي، بل كان رحيلًا لقامة أكاديمية كرّست نحو عشرين عامًا في خدمة التعليم والبحث العلمي، قبل أن تنهي غارة إسرائيلية مسيرته، وتضيف اسمه إلى سجل شهداء الحرب على قطاع غزة.
ويستذكر زملاؤه وطلبته حضوره اليومي اللافت، وأفكاره التطويرية، ومشاركاته الفاعلة في الأنشطة الأكاديمية والإدارية، إلى جانب دوره في دعم الطلبة وتعزيز روح العمل الجماعي داخل الكلية.
وتجسد قصة الدكتور حماد جانبًا من حجم الخسارة التي لحقت بالمؤسسات التعليمية والكفاءات الأكاديمية الفلسطينية خلال الحرب، إذ لم تستهدف الغارات البشر فقط، بل طالت أيضًا مسارات العلم والمعرفة التي بناها الأكاديميون عبر سنوات طويلة.
وقد استشهد حماد برفقة نجله مهند في غارة إسرائيلية خلال الحرب، تاركًا خلفه أثرًا إنسانيًا وعلميًا واسعًا في محيطه المهني والاجتماعي، ومسيرة لا تزال حاضرة في ذاكرة من عرفوه.
الساعات الأخيرة
تستعيد زوجته حنان العيلة تفاصيل الساعات الأخيرة قبل استشهادهما، زوجها وابنها، وهي لحظات بقيت محفورة في ذاكرتها على الرغم من قسوتها.
وتقول العيلة لصحيفة "فلسطين": إن صباح 22 ديسمبر/كانون الأول 2023 بدأ بشكل اعتيادي نسبيًا، رغم ظروف الحرب والنزوح، حيث كانت الأسرة تقيم في منزل أقارب لها في شارع الجلاء بمدينة غزة، بعد اضطرارها لمغادرة منزلها في منطقة تل الزعتر شمال القطاع.
وتوضح أنها كانت تُعدّ الخبز للعائلة، حين جاء زوجها يستشيرها بشأن تخصيص جزء من الطحين لعائلة نازحة كانت تعاني ظروفًا معيشية صعبة، فوافقت دون تردد، ليواصل تقديم ما يستطيع رغم شح المواد الغذائية.
وتضيف أن زوجها عُرف طوال حياته بروح العطاء ومساعدة الآخرين، وأن قيم التكافل لم تفارقه حتى في أصعب أيام الحرب والحصار.
وبعد إعداد الخبز وتقاسم الطعام مع الموجودين في مكان النزوح، خرج الدكتور حماد برفقة نجله مهند لشحن هاتفيهما لدى أحد الجيران.

وتقول زوجته: "لم يبتعدا كثيرًا حتى تعرض المكان لاستهداف مباشر، لتبدأ بعدها لحظات من الرعب والانتظار وسط الفوضى والدخان والقصف".
وتشير إلى أن القصف استهدف المنزل المجاور، ما أدى إلى انهياره واندلاع النيران، بينما وجد أفراد الأسرة أنفسهم محاصرين وسط الدخان والركام.
وتوضح أن عددًا من أفراد العائلة أُصيبوا بحروق متفاوتة، قبل أن يتمكنوا من الخروج عبر إحدى النوافذ بعد محاولات شاقة للنجاة. وتصف تلك اللحظات بأنها الأصعب في حياتها، بعدما فقدت الاتصال بزوجها ونجله، بينما كانت تحاول إنقاذ بقية أفراد الأسرة في ظل استمرار القصف وانعدام مقومات الحياة.
وبعد الخروج من المكان، لجأت الأسرة إلى منزل قريب، حيث مكثت أيامًا في ظروف حصار قاسية، دون طعام كافٍ أو مياه أو وسيلة تواصل مع العالم الخارجي.
وتضيف أن معظم مقتنيات الأسرة احترقت، ولم يبقَ سوى بعض الأوراق الرسمية والصور الشخصية التي نجت من النيران.
ومع اشتداد العمليات العسكرية، اضطرت الأسرة إلى النزوح مجددًا، متنقلة بين مناطق عدة وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، حاملة رايات بيضاء بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. وبعد أيام من المعاناة، تلقت حنان نبأ استشهاد زوجها وابنها، وقد دُفنا دون أن تتمكن من وداعهما أو إلقاء النظرة الأخيرة عليهما.
مسيرة أكاديمية
يقول الدكتور أحمد حماد، أستاذ العلاقات العامة والإعلام في جامعة الأقصى وشقيق الشهيد، إنه أمضى قرابة عشرين عامًا في خدمة الجامعة وطلبتها داخل كلية الإدارة والتمويل قبل رحيله.
ويشير إلى أن شقيقه وُلد في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة عام 1976، وتنحدر أسرته من قرية نعليا المهجرة عام 1948. وتلقى تعليمه الأساسي والإعدادي في مدارس مخيم جباليا، ثم أكمل المرحلة الثانوية في مدرسة الفالوجة، قبل أن يبدأ رحلته الجامعية في تخصص الإدارة.
ويضيف أنه واصل مسيرته العلمية بإصرار، فحصل على درجة الماجستير من قبرص، ثم الدكتوراه من ماليزيا، قبل أن يعود إلى قطاع غزة حاملًا خبرة أكاديمية واسعة.
وشارك الدكتور حماد في مؤتمرات وندوات علمية داخل فلسطين وخارجها، وأسهم في إعداد أبحاث ودراسات منشورة في مجال تخصصه.
ويؤكد شقيقه أنه كان يؤمن بأن التعليم ركيزة أساسية لصمود المجتمع الفلسطيني، لذلك حرص على نقل خبراته لطلبته وتشجيعهم على مواصلة التعلم رغم التحديات.
وبعد استشهاده، عملت العائلة على طباعة رسالة الدكتوراه الخاصة به تخليدًا لذكراه وإتاحة الاستفادة منها أمام الباحثين والطلبة.
شخصية استثنائية
يستذكر الدكتور أيمن الديراوي، أستاذ الإدارة والتخطيط الاستراتيجي المشارك في جامعة الأقصى، الشهيد حماد بوصفه نموذجًا للأكاديمي المثقف والإنسان الخلوق.
ويقول إن حماد لم يكن مجرد أستاذ ناجح، بل شخصية جمعت بين العلم والتواضع وحسن التعامل، وتميز بحضوره المحبب وقدرته على نشر الألفة بين زملائه وطلبته.
ويضيف أن الشهيد كان حريصًا على تطوير ذاته وخدمة مجتمعه، مؤمنًا بأن العلم أداة لبناء المستقبل وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.
ويشير الديراوي إلى أن حماد ظل متمسكًا بأرضه رغم ظروف الحرب القاسية، ولم يبحث عن مكان خارج الوطن، انطلاقًا من إيمانه بأن البقاء في الأرض موقف وطني وأخلاقي.

