فلسطين أون لاين

من قاعات العلم إلى سجل الخالدين.. الدكتور عزو عفانة ورسالة المعرفة التي لا تموت

...
الدكتور عزو عفانة
غزة/ هدى الدلو:

لم يكن الدكتور عزو إسماعيل عفانة مجرد أكاديمي شغل منصب نائب عميد كلية التربية وأستاذ المناهج في الجامعة الإسلامية بغزة، ولا باحثًا متخصصًا في الرياضيات والتربية أمضى سنوات عمره بين قاعات التدريس والمؤتمرات العلمية، بل كان صاحب رسالة آمن بأن العلم هو الطريق الأقصر لتحرير الإنسان وبناء المجتمع.

وكرّس عفانة حياته لتنشئة أجيال من الطلبة والباحثين، وغرس في أبنائه وتلامذته قناعة راسخة بأن المعرفة هي القوة الحقيقية القادرة على صناعة المستقبل.

وعندما استشهد إثر قصف إسرائيلي استهدف منزله في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لم تفقد الأسرة أبًا ومربيًا فحسب، بل فقد الوسط الأكاديمي الفلسطيني أحد أبرز رجالاته الذين تركوا بصمة عميقة في التعليم العالي والبحث العلمي والعمل المجتمعي.

وحين يتحدث نجله البكر، الدكتور مؤمن عزو عفانة، أخصائي جراحة الفم والأسنان، عن والده، لا يبدأ بسرد المناصب والإنجازات، بل يستحضر صورة الأب الذي جعل من العلم أسلوب حياة، ومن التربية رسالة يومية، ومن الإيمان بقدرات الإنسان الفلسطيني مشروعًا استمر حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

يقول مؤمن لصحيفة "فلسطين": "كان والدي محبًا للعلم بصورة استثنائية، يشجعني باستمرار على تطوير نفسي ومهاراتي، ويحثني على استكمال الدراسات العليا ورسم طريقي المهني بالشكل الصحيح. لم يكتفِ بالنصيحة، بل كان نموذجًا حيًا لما يدعو إليه".

ورغم حضوره العلمي اللافت، يتذكر أبناؤه سمة ظلت ملازمة له طوال حياته؛ الهدوء والحكمة.

ويضيف مؤمن: "كان قليل الكلام، لكنه حين يتحدث يختصر علينا سنوات من التجارب والخبرة، ويمنحنا خلاصة ما تعلمه في حياته".

وفي منزل العائلة، لم يكن العلم مجرد مواد دراسية، بل ثقافة يومية ومنهج حياة. فقد اعتبر الدكتور عزو عفانة متابعة تعليم أبنائه وتوجيههم جزءًا أصيلًا من رسالته التربوية، وكان حريصًا على غرس قيم الاجتهاد والانضباط والتميز في نفوسهم.

ويستعيد نجله تلك السنوات قائلًا: "كان محور اهتمامه الأكبر دراستنا وتشجيعنا على التفوق، يخصص لنا وقتًا دائمًا للنصح والإرشاد ومتابعة تحصيلنا العلمي، وخصوصًا في مادة الرياضيات بحكم تخصصه، ولم يكن يرضى بأن نتوقف عند حدود النجاح، بل كان يدفعنا دومًا نحو التميز".

حتى خلال الإجازات الصيفية، كان يحرص على استثمار الوقت فيما ينفع، فيشجع أبناءه على حفظ القرآن الكريم وتلاوته، ويعلمهم الخط العربي، مؤمنًا بأن بناء الشخصية لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل يشمل الثقافة والهوية والقيم والأخلاق.

ومن الذكريات التي لا تزال حاضرة في وجدان مؤمن، رحلة جمعته بوالده إلى مصر عندما كان في الصف التاسع.

ويقول: "رافقت والدي لحضور مؤتمرات ومناقشات علمية، وبعد انتهائها اصطحبني إلى الأهرامات ومدينة الألعاب وحديقة الحيوان.

كانت أيامًا جميلة جمعت بين المعرفة والفرح، وشعرت خلالها بقرب استثنائي منه، وما زالت تفاصيلها حية في ذاكرتي".

وفي الجامعة الإسلامية، ترك الدكتور عزو عفانة أثرًا أكاديميًا بارزًا، حيث أسهم مع عدد من الأكاديميين في تطوير برامج الدراسات العليا وتمكين الجامعة من منح درجة الدكتوراه بالتعاون مع جامعات مصرية، ما فتح آفاقًا أوسع أمام مئات الطلبة الفلسطينيين لمواصلة مسيرتهم العلمية.

كما شارك في مؤتمرات علمية دولية في بريطانيا والولايات المتحدة والأردن ومصر ودول أخرى، حاملًا اسم فلسطين ومؤسساتها الأكاديمية إلى المحافل العلمية العالمية.

ولم يقتصر عطاؤه على التدريس والمشاركة العلمية، بل امتد إلى التأليف والبحث العلمي، إذ شارك في إعداد وتأليف كتب تربوية بالتعاون مع علماء وأكاديميين من بريطانيا ومصر وفلسطين، تناولت قضايا التربية الحديثة وأساليب تطوير العملية التعليمية.

ويتحدث طلابه عنه بوصفه أستاذًا جادًا في عمله، لكنه قريب من طلبته وسخي بعلمه. ويقول مؤمن: "كثيرًا ما كنا نسمع من طلابه أنه لم يكن يرد طالبًا يقصده طلبًا للمشورة أو المساعدة، وكان يعتبر نجاحهم امتدادًا لنجاحه الشخصي".

وامتد هذا الدور إلى طلبة الدراسات العليا، حيث أشرف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه وناقشها وحكّمها، مقدمًا جزءًا كبيرًا من جهده العلمي بصورة تطوعية إيمانًا منه بأهمية دعم الباحثين الشباب وتمكينهم من استكمال مسيرتهم الأكاديمية.

وخارج أسوار الجامعة، عُرف بإنسانيته وحرصه على خدمة المجتمع، إذ عمل مديرًا لمركز الإحصاء الفلسطيني في غزة، وشارك في العديد من المبادرات المجتمعية، وكان سندًا للمحتاجين والمتعسرين بعيدًا عن الأضواء.

وكان يؤمن بأن بناء المجتمع يبدأ ببناء الإنسان، وأن التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمتلكه الفلسطيني في مواجهة التحديات وصناعة مستقبله. لذلك، لم يكن رحيله خسارة شخصية لأسرته فحسب، بل فقدانًا لقامة علمية وتربوية تركت أثرًا واسعًا في محيطها.

ويقول نجله: "افتقدنا الشعور بالسند والأمان، افتقدنا حكمته ونصحه وإرشاده. كان كالشمعة التي تضيء لنا الطريق، وحين غاب شعرنا أن جزءًا كبيرًا من الضوء قد انطفأ".

ورغم مرارة الفقد، لا تزال كلماته ومبادئه حاضرة في حياة أبنائه. ويضيف مؤمن: "تغيرت حياتنا كثيرًا بعد رحيل الأحبة، لكن ما زرعه والدي فينا باقٍ إلى الأبد؛ حب الوطن، والإيمان بالعلم، والإصرار على النجاح. نحاول اليوم أن نكون خير امتداد لرسالته، وأن ننقل لأبنائنا ما غرسه فينا من قيم ومبادئ".

وفي كلمات تختصر إرثه كله، يقول مؤمن: "كان أبي يؤمن بضرورة بناء جيل فلسطيني واعٍ ومتعلم ومثقف، قادر على الريادة والإبداع في مختلف المجالات، وكان يرى أن العلم هو المعيار الحقيقي لقوة الأمم، وهذه الرسالة هي أثمن ما تركه لنا ولكل طلابه".

WhatsApp Image 2026-06-22 at 4.44.19 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين