بعض المعارك لا تحسم بالرصاص، بل بما يراه عدوك نصرًا، ثم يكتشف أنه سراب حسبه ماء، هكذا يكتب أبطال غزة معاركهم، ويعود بهم ظريف الطول من جديد ليكتب فصول التاريخ؛ مرة ببندقيته، وأخرى بدهائه.
كان المشهد في غزة كارثيا... الحرب تأكل كل شيء؛ بيوت تهدم، ومدينة تنهار في ذروة الإبادة، ونزوح لا يتوقف، وجوع يطارد الناس كما تطاردهم الصواريخ.
أما السماء، فلا تعرف السكون؛ طائرات التجسس والاستطلاع لا تغادرها، وأجهزة الاستخبارات تراقب كل شيء، وتلاحق كل أثر بحثًا عن الأسرى الإسرائيليين.
كان الاحتلال يعتقد أن غزة أصبحت مكشوفة أمام عينيه، وأنه لم يعد يفصله عن أهدافه سوى الوقت. لكن على الأرض، كان أبطال غزة يكتبون حكاية أخرى.
بدأت بمشهد في شوارع شمال قطاع غزة؛ مسيرات وهتافات تطالب بوقف الحرب وتهاجم المقاومة، هكذا بدا المشهد، تلاحقه العدسات، وتنشره المنصات العبرية باحتفاء، باعتباره تحولًا ميدانيًا وبداية واقع جديد يحقق أهداف الاحتلال ويربك الجبهة الداخلية في غزة.
بعد ذلك، تداول الإعلام العبري ومنصات التواصل رواية أخرى، نُسبت إلى أحد الجنود الإسرائيليين المفرج عنهم، قال فيها إن "وحدة الظل" التابعة لكتائب القسام هيأت أجواء تلك المظاهرات، وأخفت الأسرى وسط الحشود، لتنقلهم من شمال القطاع إلى جنوبه، بينما كانت الطائرات تملأ السماء، وأجهزة الاستخبارات والعملاء يفتشون عنهم في كل مكان.
قد تبقى هذه الرواية في إطار المتداول، إذ لا يوجد مصدر من المقاومة يؤكد ما قاله الأسير الإسرائيلي، لكن معناها أكبر من تفاصيلها؛ أن يبقى العدو مشغولًا بالصورة، في حين يكون المشهد الحقيقي قد انتهى.
فالسراب ليس وهمًا، بل صورة تستنزف العدو، في حين تكون الحقيقة قد عبرت في مكان آخر. إنه تكتيك عرفته المقاومة في أكثر من محطة؛ من الكمائن المحكمة إلى عمليات التمويه، ومن عصا موسى إلى حجارة داود، حيث يطارد الاحتلال الوهم، في حين تمضي الحقيقة في طريقها.
واليوم يواصل الاحتلال خروقاته، بحثا عن رد يعيده إلى مربع الإبادة، لكن الصمت لا يكون دائمًا تراجعًا، ولا يكون التكتم غيابًا عن المعركة، بل يكون جزءًا منها؛ تكتيكًا يحمي ما تبقى من القطاع، ويفوت على الاحتلال ما يسعى إليه من الإبادة.
هكذا يبقى ظريف الطول أكبر من رجل، وأبقى من زمن. تتغير الوجوه، وتتبدل أدوات المواجهة، لكن الحكاية لا تتغير؛ ففي كل مرة يظن فيها الاحتلال أنه أحكم قبضته على الحقيقة، يكتشف أنه كان يلهث خلف السراب، يبتلعه، ويحسبه ماءً يروي عطشه إلى النصر، فلا يحصد إلا الخيبة، في حين تكون الحقيقة قد وصلت إلى وجهتها.
قد يسدل الستار على فصل من فصول الحكاية، لكنها حتما لن تنتهي أبدًا، لأن ظريف الطول سيعود من جديد ويكمل طريق الأحرار.

