فلسطين أون لاين

لم يكن خلافًا فلسطينيًا محضًا!

لعقود طويلة، أُجريت عشرات المحاولات لإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية. وكان من أبرز هذه المحاولات ما طُرح مطلع عام 1993 في الخرطوم، وبالرغم من الاتفاق على آليات عمل، فإنها لم تُنفذ في مجملها. لاحقًا، دار الجدل الفلسطيني باستمرار حول أسباب تعثر عملية إصلاح منظمة التحرير وإعادة بناء مؤسساتها على أسس تمثيلية شاملة، وغالبًا ما قُدمت المسألة باعتبارها نتيجة خلافات داخلية بين الفصائل، أو تنازعًا على الحصص والتمثيل، أو انعكاسًا للانقسام السياسي الذي ضرب الساحة الفلسطينية منذ عام 2007.

لكن المعلومات التي كشفتها صحيفة "العربي الجديد" الأسبوع الماضي حول مباحثات فلسطينية–أميركية سرية في العاصمة اليونانية تطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا: ماذا لو أن جزءًا مهمًا من تعطيل إصلاح منظمة التحرير لم يكن فلسطينيًا خالصًا، بل نتيجة ضغوط خارجية؟ وكان موضوع التدخلات الخارجية حاضرًا دائمًا في النقاش، لكنه بقي في إطار الانطباع العام أكثر من كونه حقيقة يمكن إثباتها بوقائع مادية.

فبحسب التقرير المذكور، أبلغ المسؤولون الأميركيون الجانب الفلسطيني رفضهم إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المزمع عقدها مطلع تشرين الثاني القادم، وأكدوا أنهم لا يقبلون إلا بانتخابات رئاسية وتشريعية ضمن الإطار الذي حدده اتفاق أوسلو. وإذا صحت هذه المعلومات، فإنها تزيح الستار عن جانب ظل غائبًا عن المشهد لسنوات طويلة.

ذلك أن انتخابات المجلس الوطني ليست مجرد استحقاق انتخابي آخر، بل هي المدخل الطبيعي لإعادة بناء منظمة التحرير وتجديد شرعيتها، وإشراك الفلسطينيين في الداخل والشتات في اختيار ممثليهم. ورغم ذلك، لم تُجرَ انتخابات لاختيار أعضائه عبر تاريخه، وبقي تشكيله قائمًا على التوافقات والمحاصصة. كما أن آخر دوراته العادية تعود إلى أواخر القرن الماضي، في غزة عام 1996. وعلى مدى قرابة أربعة عقود، ظل مطلب إصلاح المنظمة حاضرًا في وثائق الحوار الوطني والنقاشات الفلسطينية المختلفة، من القاهرة إلى بيروت وبكين وغيرها، لكن التنفيذ كان يتعثر دائمًا دون تفسير حاسم.

التفسير السائد كان أن الفلسطينيين عاجزون عن الاتفاق، أما اليوم فإن هذا التسريب يفتح الباب أمام احتمال آخر: أن إعادة بناء منظمة التحرير لم تكن تواجه فقط عقبات داخلية، بل كانت تصطدم أيضًا برفض أميركي وإسرائيلي، حتى لو كان ذلك همسًا وغير معلن.

فالمنظمة، بعد إصلاحها وانتخاب مجلسها الوطني، لن تكون مجرد نسخة محدثة من الواقع القائم، بل مؤسسة مختلفة من حيث الشرعية والتمثيل، وأكثر تعبيرًا عن مجموع الشعب الفلسطيني، بما في ذلك ملايين الفلسطينيين في الشتات. وعندها ستكتسب شرعية سياسية تتجاوز شرعية المؤسسات التي أوجدها اتفاق أوسلو، وهو ما يفسر التحفظ على هذا المسار.

ومن هنا يمكن فهم المفارقة اللافتة؛ فالولايات المتحدة، التي تتصدر الخطاب العالمي حول الديمقراطية وتدفع نحو التحول الديمقراطي في دول أخرى، تعترض على الانتخابات الوحيدة القادرة فعليًا على تجديد المؤسسة الوطنية الجامعة للفلسطينيين. فهي لا تمانع انتخابات تعيد إنتاج ما تبقى من السلطة الفلسطينية ضمن حدود أوسلو، لكنها تتحفظ على انتخابات قد تعيد تشكيل المرجعية الوطنية الفلسطينية نفسها.

ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا التسريب يستوجب إعادة قراءة أكثر من ربع قرن من الجدل الفلسطيني من زاوية مختلفة؛ فربما لم يكن السؤال الصحيح هو: لماذا فشل الفلسطينيون في إصلاح منظمة التحرير؟ بل: إلى أي مدى سُمح لهم أصلًا بإصلاحها؟

فالتاريخ الفلسطيني الحديث مليء بمحطات جرى فيها تحميل الفلسطينيين وحدهم مسؤولية التعثر، بينما بقيت العوامل الخارجية خارج دائرة الضوء. أما اليوم، فإن رفض انتخابات المجلس الوطني يكشف أن هناك أطرافًا نافذة كانت تنظر إلى إصلاح منظمة التحرير باعتباره مشكلة سياسية، لا حلًا سياسيًا.

ومن هنا يمكن أيضًا فهم الخلفية التي تقف وراء الشروط التي يُعاد ترديدها باستمرار، حتى تحولت إلى ما يشبه "متلازمة" ملازمة لأي نقاش حول إصلاح منظمة التحرير. وهي قائمة باتت محفوظة لدى كثير من الفلسطينيين لكثرة تكرارها، لكن ما لا يقال عادة هو أن هذه الشروط لم تنشأ في السياق الفلسطيني الخالص، بل صيغت في سياقات أخرى، ثم جرى تمريرها وإعادة تقديمها بلسان عربي.

وإن كان هذا صحيحًا، فإن كثيرًا من الروايات التي سادت خلال العقود الماضية تحتاج إلى مراجعة جدية؛ لأن ما بدا خلافًا فلسطينيًا داخليًا قد يكون، في جزء منه، نتيجة فيتو خارجي استهدف الهوية الفلسطينية عمومًا، وأبقى منظمة التحرير على حالها، ومنع ظهور مؤسسات أكثر تمثيلًا واستقلالًا وقدرة على التعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني بأكمله.

المصدر / فلسطين أون لاين