فلسطين أون لاين

رسالة قرآنية من محرقة غزة

﴿مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (ق: 21)

الزنانة: عين الشرّ الساهرة

ليست مجرد طائرة استطلاع؛ إنها عين الشرّ التي تحوم فوق سماء غزة المحترقة، تهدر في وجدان المدينة كصرخة لا تهدأ بين أزيز الرصاص ودوي الانفجارات. حرب نفسية تقتل الأمل وتزرع الخوف في كل زقاق ونافذة، آلة إبادة متطورة تُسفك الدماء بلا رحمة، وتحوّل غزة إلى مذبحة مفتوحة.

الزنانة ليست عشوائية؛ إنها أداة قتل عنصري سادي، بث مباشر لجريمة بشعة تُرتكب في كل لحظة. تحوم عند نافذة البيت، فوق سطح المنزل، أو على قمة الخيمة المتهالكة، لتزرع الرعب المستمر. صوتها المرهق والمزعج غايته شن حرب نفسية، إلى جانب دورها الخطير في الرصد والمتابعة الأمنية الدقيقة.

كشفت تسجيلات قليلة حصلت عليها المقاومة بعد إسقاط بعض هذه الطائرات عن مدى دقتها في الرصد، وعن مستوى الجرائم التي ترتكبها. إنها امتداد لعصابات الشتيرن والهاجناه والأرجون والبالماخ، التي طوّرت أدواتها الإجرامية عبر الزنانة، لتصبح أكثر وسائل القتل والإبادة فتكاً في هذه المحرقة.

في كل هجوم، توسّع الزنانة دائرة القتل، مستهدفة المئات في مجازر دامية: في الشفاء، جباليا، الزيتون، النصيرات، خانيونس، مدينة حمد، بيت حانون، رفح، والبريج. لقد قدّمت للعالم نموذجاً بشعاً لتكنولوجيا القتل السادي، حيث يجلس السفاح في غرفة التحكم، يمارس القتل عبر الشاشة، مستعيناً بالصواريخ الأمريكية، لتتناثر أشلاء الشهداء زُرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا، وكأن كل زنانة تتحقق فيها ﴿مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾.

لم تعد الزنانة مجرد آلةٍ ميكانيكية، بل تحوّلت إلى عقلٍ صناعي بارد، يُبرمج على القتل الجماعي بلا تردّد ولا رحمة. لقد دخلت محرقة غزة مرحلة جديدة من الحروب، حيث تُدار عمليات الرصد والاستهداف عبر أنظمة الذكاء الصناعي، لتصبح الإبادة أتمتةً شاملة، تُحوّل الإنسان إلى هدفٍ رقمي على شاشةٍ مضاءة.

إن هذه التكنولوجيا التي كان يُفترض أن تخدم البشرية، تحوّلت إلى أداةٍ لإبادة الشعوب، لتُظهر للعالم أن أخطر ما في العصر الحديث ليس السلاح وحده، بل العقل الصناعي حين يُسخّر للقتل. ومع ذلك، يبقى الإيمان أقوى من كل خوارزمية، والروح أسمى من كل برنامج، وغزة تُعلّم العالم أن الذكاء الحقيقي هو في الصبر والثبات، وأن النصر وعد الله الذي لا يتخلف.

رغم هذا الإرهاب الممنهج، يبقى صمود أهل غزة كالسد المنيع، يرفضون الانكسار ويعلّقون الأمل بالله الذي لا يخيب، مؤمنين بأن النصر قادم لا محالة، وأن الظلم مهما طال لا يدوم. وكما قال تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

مهما علت الزنانة في السماء، فإن قلوب المؤمنين أعلى، ومهما دوّى صوتها، فإن صوت الحق أبقى. غزة اليوم تُعلّم العالم أن التكنولوجيا قد تقتل الجسد، لكنها لا تستطيع أن تهزم الروح، وأن النصر وعد الله الذي لا يتخلف. إنها حربٌ تُدار بالخوارزميات، لكن الروح المؤمنة لا تُهزم، والوعي لا يُقصف، والملحمة مستمرة حتى يتحقق وعد التحرير.