على شاطئ بحر غزة، حيث تمتد خيام النزوح بمحاذاة الأمواج وتشتد معاناة العطش بفعل الحرب وتدمير البنية التحتية للمياه، نجح النازح محمد زايد في تحويل حفرة بسيطة حفرها بيديه إلى مصدر حياة لعشرات العائلات.
فبأدوات بدائية لا تتجاوز "الكريك" و"الطورية"، وبإرادة صلبة تحدّت قسوة النزوح وشح الموارد، استطاع الرجل الثلاثيني استخراج المياه من باطن الرمال، بعدما ضاقت السبل أمامه وأمام جيرانه الباحثين يوميًا عن قطرة ماء تسد احتياجاتهم الأساسية. وبين الخيام والرمال، تحولت بئره المتواضعة إلى قصة صمود فلسطينية جديدة، تختصر قدرة الإنسان على صناعة الأمل حتى في أكثر الظروف قسوة.
ويعيش محمد زايد (35 عامًا)، وهو من سكان مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، منذ نحو عامين داخل خيمة أقيمت على شاطئ البحر جنوب ميناء غزة، بعد أن أجبرته الحرب على مغادرة منزله الذي دُمّر بفعل القصف الإسرائيلي.
البحث عن الماء
ومنذ نزوحه، تحولت رحلة البحث عن المياه إلى واحدة من أصعب التحديات اليومية التي تواجه أسرته المكونة من زوجته وطفليه.
فعلى امتداد الساحل، تكاد مصادر المياه تنعدم، فيما تصل صهاريج المياه بصورة متقطعة، الأمر الذي يدفع النازحين إلى قطع مسافات طويلة والانتظار لساعات من أجل تعبئة جالون ماء قد لا يكفي احتياجات الأسرة ليوم واحد.

أمام هذا الواقع، قرر زايد خوض تجربة اعتبرها كثيرون مغامرة محفوفة بالمخاطر، فبدأ الحفر بيديه مستخدمًا أدوات بسيطة، وأزال طبقات الرمال تدريجيًا حتى بلغ عمقًا يقارب أربعة أمتار.
وبعد أيام من الجهد المتواصل، ظهرت المياه في قاع الحفرة.
ويقول زايد لصحيفة "فلسطين": "كنت أتوقع أن أصل إلى مياه مالحة بحكم قرب الموقع من البحر، لكن المفاجأة كانت أننا وجدنا مياهًا جيدة صالحة للشرب والاستخدامات المنزلية".
ويضيف مبتسمًا: "الجميع كان يعتقد أننا سنجد مياه البحر، لذلك كانت الدهشة كبيرة عندما تذوقناها واكتشفنا أنها عذبة".
ولم تكن المهمة سهلة، إذ ازدادت مخاطر انهيار الرمال كلما ازداد عمق الحفر.

ويستذكر تلك اللحظات قائلاً: "كنت أشعر أحيانًا أن الرمال قد تنهار فوقي في أي لحظة، لكن إصراري على الوصول إلى المياه كان أقوى من الخوف".
ولحماية البئر من الانهيار، عمد إلى استخدام ألواح من "الزنجو" لتدعيم جوانب الحفرة، فيما لا تزال عملية استخراج المياه تتم بوسائل بدائية، عبر حبل طويل مربوط بوعاء معدني صغير يُسحب يدويًا من عمق البئر.
مياه بالمجان
ومع مرور الوقت، لم تعد البئر تقتصر على تلبية احتياجات أسرته فقط، بل أصبحت مقصدًا لعشرات النازحين القاطنين في الخيام المجاورة.
ويقول زايد: "تتوافد النساء والأطفال يوميًا لتعبئة المياه، كما يستخدمها شبان للاستحمام بعد السباحة في البحر".
ويؤكد أنه يقدم المياه مجانًا لكل من يحتاجها، موضحًا أن البئر لا تحل أزمة المياه بشكل كامل، لكنها تخفف جانبًا من المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون.
ويضيف: "الناس بحاجة إلى كميات أكبر من المياه، لكن هذه البئر وفرت جزءًا مهمًا من احتياجاتهم الأساسية".
وعندما تدفقت المياه للمرة الأولى، سادت حالة من القلق بين النازحين خشية أن تكون مالحة أو ملوثة، إلا أن التجربة أثبتت صلاحيتها للاستخدام، وباتت العائلات تعتمد عليها بصورة متزايدة.
ويشير زايد إلى أنه منذ حفر البئر قبل نحو ثلاثة أسابيع، لم تُسجل أي شكاوى صحية مرتبطة باستخدام مياهها.

ولم يقتصر أثر البئر على توفير المياه فقط، بل امتد إلى مساحة صغيرة مجاورة للخيمة تحولت إلى بقعة خضراء وسط الرمال.
فقد نجح في زراعة شتلات من النعناع والريحان والملوخية واليقطين، ويقوم بريّها يوميًا من مياه البئر.
وبينما يتفقد أوراقها الخضراء، يقول ضاحكًا: "هذه النباتات أكبر دليل على أن المياه عذبة، فلو كانت مالحة لما استمرت في النمو".
وتأتي تجربة زايد في ظل أزمة مياه خانقة يشهدها قطاع غزة نتيجة تدمير آبار المياه وشبكات التوزيع والصرف الصحي ومحطات التحلية، إلى جانب النقص الحاد في الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل المرافق المائية.
ورغم بساطة الإمكانات ومحدودية الموارد، تمثل هذه البئر نموذجًا حيًا لقدرة الفلسطينيين على ابتكار حلول من قلب المعاناة. فبين البحر والرمال والخيام، استطاع محمد زايد، الذي فقد منزله ومصدر استقراره، أن يحفر بيديه نافذة صغيرة للحياة، وأن يحوّل حفرة متواضعة إلى شريان أمل يروي عطش العشرات من جيرانه النازحين

