في خضم التصعيد الأخير الذي شهدته الساحة الإقليمية، حملت الضربة "الإسرائيلية" على الضاحية الجنوبية لبيروت، والرد الإيراني المباشر عليها، دلالات تتجاوز حدثًا عسكريًا عابرًا إلى ما يشبه إعادة تأسيس لقواعد اللعبة بين المحور الإيراني وإسرائيل. وبينما تتسارع الأنباء حاليًا عن (مذكرة إسلام آباد) التي قد تطوي صفحة هذه الجولة من الصراع، يبقى السؤال الأهم: هل أسست هذه الجولة لمعادلة ردع جديدة ستستمر بعد التهدئة، أم أنها مجرد محطة في مسار صراع طويل لم تُحسم قواعده بعد؟
أولًا: توحيد الجبهات - من الدفاع عن الحلفاء إلى الدفاع عن الذات
لطالما استندت الإستراتيجية الإسرائيلية إلى مبدأ (فصل الجبهات): ضرب حزب الله في لبنان، أو الحوثي في اليمن، أو فصائل غزة، دون أن يستدعي ذلك ردًا مباشرًا من العمق الإيراني، حيث كان يمنح هذا الفصل إسرائيل هامش مناورة واسعًا، بحيث يمكنها استهداف "الأذرع" بكلفة محسوبة، بينما يبقى (الرأس) بمنأى عن المواجهة المباشرة.
ضربة الضاحية الجنوبية، والرد الإيراني عليها بصواريخ باليستية استهدفت قاعدة رامات ديفيد الجوية - القاعدة التي انطلقت منها الطائرات المنفذة للضربة على بيروت - كسرت هذا المنطق، حيث كانت الرسالة الإيرانية واضحة وموجهة بدقة: استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت سيُقابل باستهداف لـ"إسرائيل" مباشرة. هنا لم تعد المسألة "دعمًا" لحزب الله بقدر ما هي إعادة تعريف لما يعنيه "الأمن القومي الإيراني" نفسه، بحيث تصبح الضاحية الجنوبية، وربما غزة واليمن لاحقًا، خطوطًا حمراء إيرانية بقدر ما هي خطوط حمراء لحلفاء طهران.
والأهم أن دقة الاستهداف - ربط القاعدة الجوية بالضربة المحددة التي انطلقت منها - تشير إلى مستوى من التشارك الاستخباري بين طهران وحزب الله يتجاوز ما كان معروفًا سابقًا؛ معرفة تفصيلية بسلسلة القيادة والتنفيذ "الإسرائيلية"، والتي لا تتوفر إلا عبر شبكة ميدانية مدمجة مع قدرات استراتيجية أعلى. وهذا يعني أن الضربتين والشركاء فيهما - حزب الله وإيران - تعرضوا لخسائر جسيمة في هذه الحرب، لكن القدرة الاستخبارية والتنسيقية بينهما ظلت فاعلة بأقصى طاقتها، وهو مؤشر على متانة بنية هذا المحور أكثر من كونه دليل ضعف.
ثانيًا: مجتبى خامنئي - من (الظل) إلى (العقيدة)
لا يمكن فهم هذه المعادلة الجديدة بمعزل عن التغيير الذي طرأ على قمة هرم السلطة في إيران، حيث إن مجتبى خامنئي، الذي انتُخب مرشدًا أعلى ثالثًا بدعم قوي من الحرس الثوري بعد استشهاد والده في غارة أمريكية - إسرائيلية، يمثل حالة مختلفة جوهريًا عن سلفه.
علي خامنئي كان يدير الدولة عبر توازن دقيق بين تيارات متعددة - إصلاحيين ومحافظين والحرس الثوري - يستخدم كل منها كأداة ضغط على الآخر، وهو نمط (الكر والفر) الذي يتيح مرونة في المناورة الخارجية. وقد وصل مجتبى إلى السلطة على النقيض من والده، فظرفه حربي استثنائي، وعبر دعم مؤسسي محدد المصدر (الحرس الثوري)، وفي غياب الإرث الديني التراكمي الذي كان يمنح والده شرعية مستقلة عن أي تيار.
هذا التكوين يجعل من غير المنطقي افتراض أن مجتبى مجرد (واجهة) تنفذ ما تقرره دوائر الحرس الثوري دون قناعة. والأقرب للمنطق هو أن التشدد بالنسبة له ليس خيارًا تكتيكيًا قابلًا للتفاوض، بل (رأس مال شرعية) يعوّض به غياب الشرعية الدينية التراكمية؛ بمعنى أن الثبات على معادلة الردع الجديدة ليس مناورة شخصية، بل تحوّل إلى عقيدة حاكمة تلتقي فيها مصلحة الفرد (تعزيز شرعيته) مع مصلحة المؤسسة (الحرس الثوري الذي أوصله إلى السلطة). وهذا يفسر لماذا جاءت (مذكرة إسلام آباد) - في تسريباتها - محمّلة بشروط (كربط الملف اللبناني، والتمسك بعدم التنازل في الملف النووي)، تعكس تفاوضًا من (موقع المعادلة المثبتة) لا من موقع التراجع.
ثالثًا: نتنياهو - مأزق الحرب والسلم معًا
على الجانب "الإسرائيلي"، تتقاطع هذه المعادلة مع أزمة سياسية داخلية حادة، فالكنيست أقرّ بقراءة أولى مشروع حل نفسه بأغلبية شبه إجماعية (106 من 120 صوتًا)، في أعقاب سحب أحد الأحزاب الحريدية الثقة من نتنياهو على خلفية أزمة قانون التجنيد. كما أن استطلاعات الرأي تشير إلى خسارة محتملة لمعسكره (52 مقعدًا مقابل 58 للمعارضة لو جرت الانتخابات اليوم).
والأهم أن نتنياهو يسعى في الوقت ذاته لتأجيل الانتخابات إلى أقصى وقت ممكن، ولتمرير لجنة تحقيق (سياسية) يقودها هو في فشل الاستخبارات قبل 7 أكتوبر، بدل لجنة تحقيق مستقلة تابعة للدولة، وهو الملف الذي يُحتمل أن يكون أخطر على مستقبله السياسي من أي ضربة صاروخية.
هذا يضع نتنياهو أمام معادلة متناقضة؛ وهي أن استمرار حالة الحرب يمنحه غطاءً سياسيًا لتأجيل الاستحقاقات الداخلية وتقديم نفسه كـ"قائد في زمن الطوارئ"، بينما التهدئة - أي توقيع اتفاق ينهي الجبهات كلها - تعني إعادة فتح هذه الملفات فورًا دون أن يملك (إنجازًا) واضحًا يسوّقه كتعويض. والأخطر أن أي اتفاق يُبنى على معادلة (ردع متصدع) - إصابة قاعدة رامات ديفيد كانت اعترافًا إسرائيليًا جزئيًا بنجاح الضربة الإيرانية - سيُستخدم من المعارضة كدليل إضافي على فشل إدارته الأمنية، فيُضاف إلى ملف 7 أكتوبر بدل أن يطمسه.
رابعًا: (مذكرة إسلام آباد) - تهدئة أم محطة انتظار؟
التطورات الأخيرة تشير إلى أن طهران وواشنطن تقتربان من تحويل وقف إطلاق النار القائم إلى تسوية أطول أمدًا، عبر مذكرة تفاهم تشمل - حسب التسريبات - إعادة فتح مضيق هرمز، وتمديد الهدنة 60 يومًا، مقابل تخفيف مشروط للعقوبات، دون أي بنود جديدة بشأن الملف النووي.
لكن ثمة فجوة لافتة في الخطاب؛ فواشنطن تقدّم الاتفاق كـ"إنجاز ترامبي"، بينما تقدّمه طهران كـ"انتصار" وطني، وهو نمط متكرر في نهايات الجولات الإقليمية لا يعني بالضرورة استقرارًا دائمًا. والشرط الإيراني الأهم - ربط الاتفاق بإنهاء القتال في لبنان - هو ترجمة عملية لمنطق (توحيد الساحات) الذي ناقشناه؛ فطهران لا تتفاوض كطرف يحاول الخروج من حرب بأقل الأضرار، بل كطرف يسعى لتحويل (المعادلة الميدانية) التي أثبتها (الضربة على رامات ديفيد، وتوسيع الاستهداف ليشمل قواعد أمريكية في الخليج) إلى التزام سياسي مكتوب.
الخلاصة: الترمومتر اللبناني
أيًا كان مصير المذكرة، يبقى الملف اللبناني هو المقياس الحقيقي لصلابة هذه المعادلة الجديدة؛ فإذا استمرت العمليات "الإسرائيلية" في جنوب لبنان رغم توقيع اتفاق (شامل الجبهات) مع إيران، فهذا سيعني أن "إسرائيل" - بدعم أو تجاهل أمريكي - تحاول الالتفاف على المعادلة عبر (فصل) الساحة اللبنانية مجددًا، وهو ما ستفسره طهران، وفق منطق مجتبى خامنئي التأسيسي، كخرق يستدعي ردعًا أكثر (سحقًا)، بحسب التوصيف الإيراني نفسه.
بمعنى آخر: الاتفاق المرتقب قد لا يكون نهاية الجولة، بل اختبارًا أوليًا لمدى قابلية المعادلة الجديدة - (كل ضربة لحلفاء إيران تُقابل بضربة لإسرائيل) - للصمود في وجه أول محاولة إسرائيلية للالتفاف عليها. والإجابة على هذا السؤال، لا التوقيع نفسه، هي ما سيحدد فعلًا هل دخلت المنطقة مرحلة جديدة من توازن الرعب، أم أنها مجرد استراحة محارب قبل جولة أعنف.

