في الثالث من تموز/يوليو 2026، يُكمل قطاع غزة ألف يوم كاملة على بدء حرب الإبادة (7 أكتوبر 2023 - 10 أكتوبر 2025)، من دون إغلاق أيٍّ من قضاياها المركزية؛ فلا السلاح نُزع، ولا الاحتلال انسحب، ولا الإعمار بدأ، ولا المساءلة القانونية عن الإبادة تحققت. لذلك، فإن الألف يوم هنا ليست محطة احتفالية للذاكرة، بل عتبة تحليلية تتيح قراءة التحول البنيوي في شكل الحرب، حيث الانتقال من الإبادة المُعلنة والصريحة إلى إبادة مُدارة ومُهندَسة ضمن غلافٍ مؤسسيٍّ دوليٍّ يحمل اسم "السلام".
أولًا: من الإبادة الشاملة إلى الإبادة المُدارة:
تشير حصيلة وزارة الصحة في غزة، بحسب آخر الأرقام الموثقة حتى الثالث من تموز/يوليو 2026، إلى ما يزيد على 73 ألف شهيد فلسطيني في قطاع غزة، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، حيث يفكك هذا الرقم الرواية الرسمية عن "نهاية الحرب" عقب اتفاق العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025؛ خصوصًا أن أكثر من ألف فلسطيني استشهدوا بعد إعلان وقف إطلاق النار نفسه، ضمن نمط من الخروقات اليومية شبه المنتظمة، الموثقة من منظمات دولية متعددة.
إذن، الحرب لم تتوقف، بل تغيّرت آلية شرعنتها: من قصف مكثف ومعلن إلى "خروقات" متكررة تُبرَّر، في كل مرة، بذريعة أمنية موضعية، فيُعاد إنتاجها كأمر واقع يومي بلا مساءلة.
والأخطر من استمرار القتل هو منطق الجغرافيا الزاحفة؛ فما بدأ بخط تماس يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ويحصر الانسحاب "الإسرائيلي" في نحو 53٪ من مساحة القطاع، تحوّل تدريجيًا إلى توسيع السيطرة الفعلية إلى ما يتجاوز 64٪، بحسب تقارير ميدانية حديثة، ما يعني أن "وقف إطلاق النار" لم يكن نهاية للمشروع العسكري، بل غلافًا تفاوضيًا لضمٍّ زاحف يُعاد رسمه ميدانيًا كل بضعة أسابيع، بمعزل عن أي التزام تعاقدي مكتوب.
ثانيًا: البنية القانونية للاعتراف الدولي بالإبادة:
على المستوى القانوني والمعياري، لم تعد صفة "الإبادة" حكرًا على الخطاب التضامني أو الحقوقي الفلسطيني. ففي أيلول/سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أن الاحتلال "الإسرائيلي" ارتكب إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وأن أربعة من أصل خمسة أفعال إبادة، المنصوص عليها في اتفاقية 1948، قد تحققت، محمّلةً مسؤولين "إسرائيليين" رفيعين مسؤولية التحريض المباشر. وقد جاء هذا الاستنتاج بعد أن كانت منظمتا (بتسيلم) و(أطباء لحقوق الإنسان - إسرائيل)، وهما مؤسستان "إسرائيليتان" لا فلسطينيتان، قد وصفتا الحملة العسكرية بالإبادة في تموز/يوليو من العام نفسه، إلى جانب اعتراف رابطة الباحثين الدوليين المتخصصين في دراسات الإبادة الجماعية.
ولا تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا التراكم في تفرده، بل في تعدد مصادره المؤسسية المستقلة عن بعضها بعضًا؛ فالانتقال من خطاب أخلاقي متفرق إلى حكم قانوني - مؤسسي متقاطع المصادر يُنتج رصيدًا معياريًا يصعب تفكيكه لاحقًا، حتى وإن ظل الإفلات من العقاب هو الواقع السياسي الراهن، في غياب آلية تنفيذ ملزمة.
ثالثًا: "مجلس السلام" بوصفه أداة حوكمة حيوية للفناء:
يمثّل "مجلس السلام" (Board of Peace)، الذي أُنشئ بموجب قرار مجلس الأمن 2803، وتترأسه إدارة أمريكية، تطورًا نوعيًا في أدوات السيطرة أكثر منه قطيعة معها؛ فبدلًا من الاعتماد الحصري على القصف المباشر، تتحول آليات الإخضاع إلى أدوات إدارية وتقنية أقل مرئية: حصار غذائي يجعل نحو 77 بالمئة من سكان القطاع يعانون انعدام أمن غذائي حاد، ومنع عشرات آلاف المرضى، من بينهم أحد عشر ألف مريض سرطان، من الإجلاء الطبي، وتعطيل مشروع إعادة إعمار تُقدَّر كلفته بسبعين مليار دولار، إلى جانب طرح مفاهيم غامضة قانونيًا، مثل "المجتمعات الآمنة البديلة"، التي لا يُعرف نظامها القانوني ولا حرية الحركة داخلها وخارجها.
ويقترب هذا النمط بدقة مما نظّر له ميشال فوكو حول السلطة الحيوية: سلطة لا تُمارس فقط عبر حق القتل المباشر، بل عبر إدارة من يُسمح له بالعيش، وبأي شروط، ومن يُترك عرضة للفناء البطيء عبر آليات تقنية - بيروقراطية تبدو محايدة في ظاهرها. و"مجلس السلام"، بهذا المعنى، ليس نقيض الحرب، بل مرحلتها الإدارية؛ إذ يحوّل الإبادة من فعل عسكري صريح إلى نظام حوكمة يعيد إنتاج الفناء ذاته بلغة الإنسانية والاستقرار.
رابعًا: البعد الإقليمي — اقتصاد الانتباه الدولي:
يُضاف إلى ذلك بُعد إقليمي حاسم؛ إذ إن انشغال النظام الدولي بالملف الإيراني، من مذكرة التفاهم إلى المفاوضات النووية في جنيف، وتبادل الضربات المحدودة في حزيران/يونيو 2026، سحب قدرًا كبيرًا من الانتباه الدبلوماسي عن غزة، في اللحظة ذاتها التي تتصلب فيها خطوط السيطرة الميدانية. ومن منظور الواقعية الهجومية عند مايرشايمر، يوظّف الفاعل الأقوى في النظام الإقليمي، "إسرائيل"، بدعم أمريكي مطلق، انشغال الأطراف الدولية بأولويات تنافسية أعلى كلفةً استراتيجية (الملف النووي، وأمن مضيق هرمز)، لتثبيت مكاسب ميدانية تراكمية في غزة بأقل قدر من الكلفة السياسية والإعلامية؛ فالانشغال الإقليمي هنا ليس صدفة توقيت، بل بنية فرصة يُحسن استثمارها الفاعل الأقدر على الحركة السريعة.
خامسًا: حماس بين الصمود التنظيمي وضغط التفكيك:
في المقابل، ما تزال حركة حماس تحتفظ بسيطرة فعلية على جزء من مساحة القطاع، رغم استهداف قياداتها الميدانية المتكرر، وآخرها اغتيال عز الدين الحداد (أبو صهيب)، قائد كتائب القسام في غزة، في أيار/مايو 2026. حيث تصرّ الحركة على ربط أي نزع للسلاح بضمانات سياسية أعمق تشمل مسارًا واضحًا لتقرير المصير، فيما تصف الأطراف الراعية للاتفاق هذا الموقف بأنه العائق الرئيسي أمام "المرحلة الثانية" من خطة "السلام". ولا يُختزل البعد الاستراتيجي لهذا التعنّت بالأيديولوجيا وحدها؛ فمن يملك السلاح في هذه اللحظة هو من يملك مقعدًا فعليًا على طاولة تحديد مستقبل القطاع. ومن هنا، يصبح السلاح، رغم كلفته الإنسانية الباهظة على المدنيين، آخر أوراق الشرعية التفاوضية المتبقية لفاعل غير دولتي محاصر.
الخاتمة: أفق ما بعد الألف يوم:
حذّر نيكولاي ملادينوف، الممثل الأممي المكلّف بمتابعة تنفيذ خطة السلام، من أن استمرار الوضع الراهن، دون معالجة جذرية، سيؤدي إلى ترسّخ "الخط الأصفر" وتحوله إلى جدار فصل دائم، وهو ما وصفه بأن غزة، عند تلك اللحظة، "تكون قد اختفت" فعليًا كوحدة جغرافية وسياسية قابلة للحياة. ويلخص هذا التحذير جوهر المرحلة: لسنا أمام حرب انتهت وسلام بدأ، بل أمام حالة بينية من اللاحرب واللاسلم، تتحول تدريجيًا، بفعل الزمن والتراكم الإداري، إلى أمر واقع دائم.
اختبار الألف يوم القادمة لن يكون بعدد الضحايا فحسب، بل بقدرة البنية الدولية الجديدة، ممثلةً بمجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، على الانتقال من أداة تجميد الصراع عند نقطة توازن تُريح الفاعل الأقوى، إلى أداة فعلية لتفكيك أسبابه البنيوية: الاحتلال، والحصار، وغياب الأفق السياسي لتقرير المصير. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى "وقف إطلاق النار" في غزة، من الناحية التحليلية البحتة، استمرارًا للإبادة بأدوات أقل صخبًا وأكثر ديمومة.

