فلسطين أون لاين

صورة حين أسكتت الحرب ريشة فنانة وأكاديمية.. حكاية الشهيدة نسمة أبو شعيرة

...
في 24 من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهدت المحاضرة والفنانة نسمة عادل أبو شعيرة
غزة/ هدى الدلو:

لم تكن الفنانة والأكاديمية نسمة أبو شعيرة ترى الفن ترفًا أو نشاطًا هامشيًا، بل كانت تؤمن بأنه ضرورة إنسانية تُبقي الروح متقدة وسط العتمة.

وعلى مدار سنوات عملها محاضرةً في كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى، كرّست حياتها لصناعة الجمال، ورعاية المواهب، وغرس الثقة في نفوس طلبتها. لكن الحرب التي اجتاحت قطاع غزة لم تكتفِ بهدم البيوت والأحلام، بل امتدت لتغتال أصحابها، وتطوي صفحات حكايات لم تكتمل.

في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهدت المحاضرة والفنانة نسمة عادل أبو شعيرة (36 عامًا) برفقة طفلتها حبيبة (5 أعوام)، في حين أُصيب زوجها وابنتها الأخرى شريفة وشقيقتها آية. وفي المجزرة ذاتها، ارتقى 54 شهيدًا من عائلة زوجها محمد شعبان.

BCO.2b7796bf-62ab-4b6e-bafe-73ded671aa59.png
 

لم تكن نسمة بالنسبة إلى أسرتها مجرد زوجة أو أم أو أكاديمية، بل كانت، كما يصفها زوجها، "روح البيت ونبضه بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

جمال الروح

ويستعيد زوجها تفاصيل الحياة التي سرقتها الحرب لصحيفة "فلسطين" قائلًا: "بعيدًا عن صرامة العمل الأكاديمي ومتطلباته، كانت نسمة إنسانة بسيطة قادرة على تحويل التفاصيل اليومية العادية إلى لوحات مليئة بالدفء. لم تكن تفصل بين دورها كفنانة وزوجة وأم، بل كانت تترك بصمتها الجمالية في كل زاوية من المنزل، وتملأ حياتنا بالهدوء والسكينة".

وحصلت الشهيدة على درجة الماجستير في التربية الفنية، وعملت محاضرة في كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى، حيث عُرفت بحضورها الإنساني وعطائها اللامحدود.

ويؤكد زوجها أن أكثر ما ميّز شخصيتها كان قدرتها الفريدة على الإصغاء والتعاطف، مضيفًا: "كانت ترى الجمال في أدق التفاصيل وفي أرواح الناس، وكانت ابتسامتها الصادقة ملاذًا آمنًا لكل من عرفها".

وبصفته أكاديميًا عمل معها عن قرب، يقول: "كنت أراها تتعامل مع طلبتها بوصفهم مشاريع فنية وإنسانية قيد التشكّل. كانت تبني ثقتهم بأنفسهم قبل أن تعلّمهم تقنيات الفن، وتؤمن بأن طالب الفنون يحتاج إلى من يحتضن شغفه ويمنحه المساحة للنمو".

ويشير إلى أن طلبتها كانوا ينظرون إليها باعتبارها أختًا وصديقة وملهمةً تدفعهم دائمًا نحو الإبداع والتقدم.

الفن فعل مقاومة

ومع اندلاع الحرب، تمسكت نسمة بإيمانها العميق بقوة الفن، وعدّته أحد أشكال الصمود والمقاومة. ويؤكد زوجها أنها كانت ترى أن الفن في غزة ليس ترفًا، بل فعلًا مقاومًا يحافظ على إنسانية الناس في وجه الخراب.

ويستذكر إحدى عباراتها التي لخصت رؤيتها للحياة: "الفن بالنسبة لي هو ما يُبقي إنسانيتنا حيّة عندما يحاول الخراب أن يطمس كل شيء جميل".

لكن حرب الإبادة كانت أكثر قسوة من كل ما سبقها، إذ حوّلت الحياة التي بناها الزوجان خلال سنوات طويلة إلى معركة يومية من أجل البقاء.

فقبل الحرب بعام واحد فقط، اشتريا شقة جديدة مطلة على بحر غزة. ويتذكر زوجها يوم دخلاها لأول مرة قائلًا: "كانت في غاية السعادة، نظرت إلى البحر وقالت لي إنها تشعر بأن هذا البيت يجسد حلمًا صنعناه معًا".

ولم تكن الشقة مجرد جدران وسقف، بل مساحة احتضنت أحلامًا كبيرة. فقد أسس الزوجان استوديو فنيًا، وكانت لنسمة زاويتها الخاصة التي تُجسد فيها أفكارها ومشاريعها الإبداعية. وكانت تخطط لإنتاج سلسلة من القصص المصورة، بل نشرت أولى رسومات المشروع قبل الحرب، غير أن القصف والنزوح والدمار بدّد تلك الأحلام قبل أن ترى النور.

ويضيف زوجها: "خططنا لتطوير مناهجنا الأكاديمية، وتوسيع الاستوديو الفني، وإنشاء مساحات تعليمية وإبداعية جديدة، لكن كل تلك الأحلام استُبدلت بمحاولات النجاة وتطمين بعضنا البعض وسط أصوات الانفجارات المتواصلة".

الرحيل الأخير

وبالرغم من الخوف الذي خيّم على حياة سكان غزة، كانت نسمة تحاول حماية أسرتها من الانهيار النفسي. ويقول زوجها: "كانت تخاف كأي إنسان، لكنها كانت تستمد قوتها من إيمانها بالله، وتحرص على قراءة سورة البقرة يوميًا، وتحول قلقها إلى طاقة من الرعاية والاحتواء لطفلتيها".

أما آخر حديث جمعهما، فما زال عالقًا في ذاكرته، إذ غلب عليه شعور بالخذلان والخوف من أن يتحولوا إلى مجرد أرقام في قوائم الشهداء الطويلة.

ثم جاء اليوم الذي توقفت فيه الحياة فجأة.

ويقول عن لحظة تلقيه خبر استشهادها: "توقف الزمن. لا أستطيع وصف ذلك الشعور؛ كان مزيجًا من الصدمة والإنكار. وحتى اليوم، تبقى أصعب لحظة هي الاستيقاظ كل صباح وإدراك أنها لم تعد هنا".

ورغم أنه فقد منزله ومعداته الفنية، وأصيب بجروح خطيرة استدعت رحلة علاج استمرت ثلاثة عشر شهرًا، قضى منها 81 يومًا في قسم الحروق، فإن كل ذلك، كما يقول، كان أهون عليه من فقدان زوجته.

ويختم برسالة يعتقد أن نسمة كانت ستوجهها لطلابها وأهالي غزة لو أتيح لها أن تتحدث للمرة الأخيرة: "لا تتوقفوا عن صناعة الجمال. اجعلوا من إبداعكم سلاحًا لا يُقهر. فالحياة تليق بكم، وارسموا مستقبلكم بألوان الأمل مهما بدا الواقع مظلمًا".

المصدر / فلسطين أون لاين