فلسطين أون لاين

بين منزل متضرر وخيمة النزوح.. نور وأيهم يتحديان الحرب بمعدل 99.7%

...
الطالبة نور محمد عودة تتوسط والديها
خانيونس/ تامر قشطة:

في خانيونس، احتفلت الطالبة نور محمد عودة مع أفراد عائلتها داخل منزل متضرر من جراء الحرب، في حين كان الطالب أيهم فارس يتلقى التهاني داخل خيمة النزوح التي يقيم فيها مع عائلته في مواصي خانيونس. وبينما فرقت بينهما تفاصيل المكان، جمعهما إنجاز استثنائي واحد؛ فقد حصد كلاهما معدل 99.7% في الفرع العلمي، ليكونا الأول على خانيونس والثاني على مستوى فلسطين، مكررين.

خاض الطالبان رحلة دراسية استثنائية في حرب أرهقت قطاع غزة لأكثر من عامين ونصف العام، وتخللتها عمليات نزوح متكررة، وتدمير للمنازل، وفقدان للاستقرار، ونقص في الاحتياجات الأساسية. ومع ذلك، تمسكت نور بكتبها ومتعلقاتها الدراسية خلال رحلات النزوح، في حين واصل أيهم دراسته داخل خيمة، بعد أن دُمر منزل عائلته واضطر إلى النزوح إلى المواصي.

تقول نور عودة إن من أصعب المواقف التي واجهتها خلال فترة دراستها كان النزوح المتكرر، وما رافقه من خوف وقلق وفقدان للاستقرار، لكنها كانت تتمسك بكتبها وأدواتها الدراسية، وتحرص على مواصلة تعليمها رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.

وتضيف لصحيفة "فلسطين" أن سر نجاحها يعود إلى «الجد والاجتهاد والصبر»، إلى جانب الإصرار على مواجهة الظروف وعدم السماح للحرب بأن تنتزع منها حلمها.

وتتابع أن الوصول إلى هذا المعدل لم يكن سهلاً، لكنه كان نتيجة سنوات من المثابرة والعمل في ظل ظروف استثنائية عاشها أبناء قطاع غزة.

وتحلم نور بدراسة الطب، معتبرة أن هذا التخصص يمثل بالنسبة إليها أكثر من مجرد مهنة أو طموح شخصي. فهي تريد أن تسهم مستقبلاً في علاج أبناء شعبها الذين يعيشون تحت وطأة الحرب والدمار والمرض، وتقول إن ما دفعها إلى اختيار الطب هو رغبتها في المساهمة في علاج جراح الفلسطينيين الذين يواجهون واحدة من أقسى المآسي الإنسانية.

داخل المنزل المستأجر الذي لجأت إليه العائلة بعد شهور طويلة من الإقامة في الخيام، بدت مظاهر الفرح مختلفة. ففرحة النجاح اختلطت بذكريات النزوح والخوف، لكنها منحت الأسرة لحظة نادرة من البهجة وسط واقع لا يزال مثقلاً بالدمار.

وتقول والدة نور إن فرحة الأسرة بنجاح ابنتها كبيرة، خصوصاً أن هذا الإنجاز جاء بعد رحلة طويلة من المعاناة والتنقل، مشيرة إلى أن ابنتها كانت تتمسك بدراستها على الرغم من كل الظروف التي أحاطت بها.

WhatsApp Image 2026-07-25 at 12.50.25 PM.jpeg
 

وفي خيمة بمواصي خانيونس، كان الطالب أيهم فارس يحتفل هو الآخر بالإنجاز ذاته تقريباً، بعدما حصد معدل 99.7% في الفرع العلمي، ليكون الثاني على الوطن مكرراً، والأول على خانيونس مكرراً.

لكن خلف هذا الرقم قصة أخرى من النزوح والفقدان والصمود. ففي مايو/أيار 2025، اضطرت عائلة أيهم إلى النزوح من منزلها بعد تدميره، واللجوء إلى منطقة المواصي، حيث عاش الطالب تجربة قاسية تركت آثاراً نفسية عميقة عليه.

يقول أيهم لـ"فلسطين" إن تدمير منزل عائلته، إلى جانب الظروف الصعبة التي عاشها النازحون في ظل المجاعة ونقص الاحتياجات الأساسية، تسبب له في حالة نفسية قاسية وخيبة أمل كبيرة. فقد وجد نفسه، مثل آلاف الطلبة في قطاع غزة، يحاول مواصلة تعليمه في وقت كان فيه تأمين الطعام والماء ومكان آمن للنوم تحدياً يومياً.

ومع مرور الوقت، تمكن أيهم من استعادة عافيته النفسية، والعودة إلى دراسته، فالتحق بالمدرسة وبأحد المراكز التعليمية، وواصل التحضير لامتحانات الثانوية العامة، قبل أن يجد نفسه يدرس في خيمة، وسط ظروف لا تشبه البيئة التي يحتاجها أي طالب لتحقيق النجاح.

كان يوم أيهم ينقسم بين المدرسة والمركز التعليمي، وبين مساعدة عائلته في الخيمة وتلبية احتياجاتها اليومية، من توفير المياه إلى تأمين المستلزمات الأساسية للحياة. وبين هذه المسؤوليات، كان يحاول اقتناص ساعات للدراسة، متمسكاً بحلمه في الوصول إلى كلية الطب.

ويقول أيهم إن نجاحه يهديه إلى أرواح الشهداء والجرحى والأسرى، وإلى والديه وعائلته التي وفرت له الدعم المادي والمعنوي والنفسي خلال سنوات دراسته. كما يحلم بدراسة الطب البشري، والمساهمة مستقبلاً في تطبيب جراح شعبه، الذي يواجه معاناة متواصلة منذ عقود طويلة، وتفاقمت بشكل غير مسبوق خلال الحرب الأخيرة.

ويرى أيهم أن ما حققه ليس إنجازاً فردياً فقط، بل رسالة تؤكد أن طلبة غزة، رغم النزوح والدمار والجوع والخوف، ما زالوا قادرين على التمسك بالتعليم والأمل.

أما والده أحمد فارس، فيعبر عن فخره الكبير بالنتيجة التي حققها نجله، قائلاً إن العائلة تعيش حالة من الفخر والابتهاج وهي تستقبل المهنئين من الأقارب والجيران والمؤسسات المحلية والدولية.

وبين منزل متضرر في خانيونس وخيمة في المواصي، تتقاطع حكاية نور وأيهم. كلاهما واجه النزوح، ودرس في ظروف قاسية، وحمل كتبه وسط رحلة البحث عن الأمان، قبل أن يصل إلى النتيجة ذاتها: معدل 99.7%.

وفي قطاع غزة، حيث هدمت الحرب المنازل والمدارس، وشتتت العائلات، وأثقلت كاهل الطلبة بالخوف والفقدان، بدا نجاح نور وأيهم وكأنه انتصار صغير على واقع حاول أن ينتزع من جيل كامل حقه في التعليم والحلم.

فبينما تحتفل العائلتان بالنجاح، يبقى حلم الطالبين واضحاً: دراسة الطب، والعودة يوماً إلى أبناء شعبهما، ليس فقط لحمل الشهادات، بل للمساهمة في علاج جراح مجتمع أنهكته الحرب، وإثبات أن التعليم يمكن أن يظل نافذة للأمل حتى في أكثر الأوقات قسوة.

المصدر / فلسطين أون لاين