لم يعد توصيف الضفة اليوم مجرد رصد لمتغيرات ديموغرافية أو جغرافية، بل صار لزامًا علينا قراءتها كعملية إعادة تعريف وجودي للمكان والزمان، حيث نشهد تحولًا بنيويًا في الجغرافيا؛ فلم يعد الاستيطان مجرد "نشاط عمراني" على تلة بعيدة أو مرتفعة، بل منظومة استعمارية تهدف إلى محو الفضاء الفلسطيني من الوعي والخريطة على حد سواء.
فالضفة الغربية التي كانت في الأذهان كيانًا جيوسياسيًا قابلًا للتبلور، باتت اليوم مختبرًا حيًا لاختبار استراتيجيات الإحلال، ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فقد قامت فلسفة السلطة الفلسطينية خلال العقد الأول من "عصر أوسلو"، ورهانها السياسي، على افتراض "طوباوي" مفاده أن كل ما يُبنى من مستوطنات وبنى تحتية في الضفة هو عائد يومًا ما ليصبح جزءًا من بنية الدولة الفلسطينية العتيدة، وكأن الاستيطان كان مجرد استثمارات مؤقتة، وستؤول ملكيتها إلى السيادة الفلسطينية في نهاية المطاف.
هذا الوهم المرتبط أساسًا بـ"حتمية الدولة" هو الذي منح الاستيطان "شرعية" التوسع في بناء بنية تحتية للدولة الفلسطينية المستقبلية المتوهمة، فترك يكبر ويتوسع على أعين الساسة الفلسطينيين، وبينما كانت الحقيقة على الأرض بخلاف ذلك كله، كان يلتهم هذا المستقبل ذاته، ليحول الوجود الفلسطيني إلى حالة من الحصار داخل "كانتونات" خرسانية معزولة، لا تملك لأمرها سيادة ولا لأطرافها امتدادًا.
إن الفلسفة الكامنة وراء هذه الهجمة الاستيطانية كانت تقوم أساسًا على استغلال هذه الغفلة والاستيلاء على "الفراغ"، فكانت تمارس عملية قضم يومي للأرض تحت ذرائع أمنية وقانونية واهية، لكن في جوهرها كانت تتجاوز ذلك إلى تفتيت وحدة كل من الجغرافيا والديموغرافيا.
فحين يقطع طريق التفافي، أو يلتف جدار عازل حول الأرض الفلسطينية، فلا نواجه مجرد عائق فيزيائي، بل محاولة محو لذاكرة المكان؛ فيصبح التنقل بين مدينتين فلسطينيتين تجربة محفوفة بالمخاطر، خاضعة لتقلبات المزاج العسكري، ما يشعر الإنسان الفلسطيني بأنه "غريب" حتى في وطنه. فهذه الجغرافيا ليست مجرد حجارة وأسلاك وجدران، بل أداة لترسيخ مفهوم "السيد والعبد"، فيتمتع المستوطن بحرية الحركة المطلقة، بينما يعيش صاحب الأرض في حالة توجس دائم خشية فقدان الأرض والوطن.
من الناحية التحليلية، فقد تحولت المستوطنات إلى ما يشبه المعسكرات المتقدمة التي تعمل كقواعد عسكرية للسيطرة على الموارد، خاصة الأرض والماء. وبالتالي، فإن السيطرة على الأرض لم تكن هي الهدف النهائي، بل هي وسيلة للهيمنة على تفاصيل حياة الفلسطيني، ولكن في أشد صورها وتجلياتها المادية. فعندما يُمنع المزارع من الوصول إلى أرضه، أو تُحرم بلدة من بئر ماء، فإن العملية تتجاوز التوسع الاستيطاني لتصبح "تطهيرًا صامتًا" يقوم على جعل حياة الفلسطيني مستحيلة.
وبالتالي، فإننا نعيش في ظل هندسة اجتماعية وسياسية تسعى إلى خلق واقع لا عودة عنه، فتتداخل المستوطنات مع نسيج الضفة بشكل يجعل من أي حل سياسي مستقبلي أمرًا مستحيلًا من الناحية اللوجستية، بعد أن تمزقت أوصال الأرض بمئات البؤر الاستيطانية والحواجز التي أصبحت تمثل "خطوطًا خضراء" جديدة، مما يجعل فكرة انتقال ملكية البنية التحتية إلى السيادة الفلسطينية تبدو اليوم كسخرية أو نكتة تاريخية سوداء.
خطورة ذلك تتجاوز الأرقام إلى انهيار الأمل بإقامة الدولة، حتى لو لم يعلن ذلك؛ لأن ما يترتب عليه هو، أولًا، الإقرار بفشل مشروع سياسي كامل قام على الوهم منذ يومه الأول، وتاليًا نفي الحاجة إلى وجود كل ما هو قائم الآن. فالمشروع الاستيطاني "نجح" في تحويل الضفة إلى "أرخبيل" من الجزر البشرية، وهذا التفتيت يخلق نوعًا من الاغتراب الداخلي، حيث تنفصل المحافظات عن بعضها، والقرى والمدن عن جوارها، ما يضعف النسيج المجتمعي ويجعل من المستحيل على المجتمع الفلسطيني أن يتصرف ككتلة واحدة في مواجهة هذا الزحف، إلا في الفضاء الرقمي أو في مخيلة الساسة الحالمين.
هذه "المستوطنة الكبرى" التي تُبنى على أنقاض التطلعات الفلسطينية لا تكتفي بفرض واقع ديموغرافي جديد، بل تسعى لفرض واقع نفسي، وإشعار الفلسطيني بأن الأرض التي يقف عليها ليست له، وبأن الأفق الذي ينظر إليه محكوم بأسوار وقواعد عسكرية. ومع ذلك، فإن هذا الواقع المظلم يولد بالضرورة نقيضه؛ فالتجارب التاريخية أثبتت أن محاولات المحو القسري للهوية تزيد التمسك بها، وأن الصمود الذي يمارسه الفلسطينيون اليوم ليس مجرد تمسك بالأرض، بل هو فعل وجودي ضد سياسة الإفناء. فعندما يزرع أرضًا مهددة بالمصادرة، فإنه لا يمارس الزراعة فحسب، بل يمارس السياسة في أرقى صورها، فيعلن هوية المكان رغم كل الجدران والحواجز، وأنها ما زالت فلسطينية. فجغرافيا الألم هذه، بقدر ما تعكس توحش القوة، فإنها تعكس مدى الارتباط العاطفي والمادي بين الإنسان والأرض، وتثبت أن التحدي الحقيقي يكمن في إدراك أن ما يجري ليس قدرًا محتومًا، بل لحظة عابرة ومؤقتة في تاريخ طويل.
المواجهة اليوم لا تتطلب فقط القدرة على الصمود، بل وعيًا عميقًا بأن استعادة الجغرافيا تبدأ باستعادة الوعي، وبالقدرة على تحويل كل ذرة تراب إلى حجة قانونية وأخلاقية وتاريخية تفضح زيف هذا الواقع المصطنع، وأن الحقائق التي تفرض بالقوة لا يمكن لها أن تصمد طويلًا أمام إرادة شعب يرفض أن يتحول إلى مجرد رقم في معادلة من التوسع الاستيطاني لا ترى فيه أكثر من عقبة يجب إزاحتها. وبالتالي، فالمعركة مستمرة ما بقيت الجغرافيا تنبض بحكايات أصحابها، وما بقي الإنسان يرى في الأرض أكثر من مجرد بقعة من الجغرافيا، بل وجودًا لا يقبل القسمة أو التجزئة أو المحو.

