فلسطين أون لاين

د. إياد القرا يكتب: المطامع الصهيونية تتجاوز فلسطين

لم تعد الأطماع الصهيونية مقتصرة على فلسطين، بل باتت تتجلى بصورة أكثر وضوحًا في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي الذي ينظر إلى المنطقة بأسرها باعتبارها مجالًا حيويًا للمشروع الصهيوني.

فالحرب المستمرة على غزة، والاعتداءات المتواصلة في لبنان وسوريا، والتصريحات المتكررة ضد دول إقليمية كبرى مثل تركيا ومصر، تكشف أن العقل الاستراتيجي الإسرائيلي ما زال يتحرك وفق رؤية توسعية ترى في كل قوة إقليمية مستقلة تهديدًا ينبغي احتواؤه أو إضعافه.

خلال الأشهر الأخيرة تصاعدت التصريحات الإسرائيلية العدائية تجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووصل بعضها إلى حد اعتباره خصمًا استراتيجيًا لإسرائيل بسبب مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية ورفضه جرائم الاحتلال في غزة.

هذه التصريحات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد سجال سياسي عابر، بل تعكس قلقًا إسرائيليًا متزايدًا من الدور التركي المتصاعد في الإقليم، ومن قدرة أنقرة على التأثير في ملفات المنطقة وإعادة تشكيل التوازنات السياسية.

وفي الوقت ذاته، لا تخفي دوائر إسرائيلية عديدة نظرتها إلى مصر باعتبارها دولة مركزية ينبغي أن تبقى منشغلة بتحدياتها الداخلية وألا تتحول إلى قوة إقليمية فاعلة قادرة على التأثير في مسار الصراع.

وقد ظهر ذلك في محاولات إسرائيل المتكررة فرض وقائع جديدة على الحدود المصرية الفلسطينية، والحديث المتكرر عن ترتيبات أمنية وسياسية في غزة تتجاهل المصالح المصرية أو تحاول الالتفاف عليها.

إن جوهر المشروع الصهيوني يقوم على مبدأ التفوق الإقليمي الدائم، وهو ما يجعل أي دولة عربية أو إسلامية تمتلك عناصر القوة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية موضع استهداف مباشر أو غير مباشر.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تتعرض العراق وسوريا ولبنان وإيران، بدرجات متفاوتة، لسلسلة من الضغوط والحروب والاعتداءات التي هدفت إلى منع تشكل أي توازن حقيقي مع إسرائيل.

وتكشف التجربة التاريخية أن الاحتلال لا ينظر إلى اتفاقيات السلام أو العلاقات الدبلوماسية باعتبارها نهاية للصراع، بل يتعامل معها كأدوات لإدارة الصراع وتحقيق مزيد من المكاسب الاستراتيجية.

ومن هنا فإن التصعيد اللفظي ضد تركيا، ومحاولات الضغط على مصر، يندرجان ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة المنطقة بما يضمن بقاء إسرائيل القوة المهيمنة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

لقد أثبتت الحرب على غزة أن المشروع الصهيوني لا يستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل يستهدف كل من يرفض الخضوع للهيمنة الإسرائيلية أو يدعم حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال. ولذلك فإن مواجهة هذه الأطماع تتطلب قراءة أوسع للصراع، تتجاوز حدود فلسطين الجغرافية، وتدرك أن معركة المنطقة اليوم هي معركة على مستقبلها وهويتها واستقلال قرارها السياسي.

إن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة ضد الرئيس أردوغان، وما يرافقها من رسائل موجهة إلى مصر ودول المنطقة، ليست سوى مؤشر جديد على أن العقل الصهيوني ما زال أسير أوهام التفوق والهيمنة.

غير أن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة بعد السابع من اكتوبر وفشل اهداف الحرب على ايران تؤكد أن زمن الانفراد بالمنطقة لم يعد كما كان، وأن الشعوب والدول التي تدافع عن سيادتها وحقوقها قادرة على إفشال مشاريع الهيمنة مهما امتلكت من قوة.

المصدر / فلسطين أون لاين