فلسطين أون لاين

تقرير من الملاعب إلى الزنازين.. حكاية عبد الحميد أبو جاسر في زمن المونديال

...
d1887db5-8054-43a7-ae09-cdfc98a290d2.jpeg

غزة/ إبراهيم أبو شعر:

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم بشغف نحو ملاعب كأس العالم 2026، تجلس عائلة أبو جاسر في منزل متهالك آيل للسقوط بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، لا بحثا عن شاشة تنقل المباريات كما كانت تفعل في النسخ السابقة، بل عن خبر يبدد قلقا امتد لأشهر طويلة حول مصير ابنها الأسير عبد الحميد أبو جاسر، المغيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
تختزل حكاية هذه العائلة جانبا من مأساة الرياضة الفلسطينية التي تحولت من مساحة للفرح والإنجاز إلى هدف مباشر للحرب الإسرائيلية، حيث اجتمعت على أبنائها معاناة النزوح والجوع والفقد والاعتقال.
عائلة  رياضية
عُرفت عائلة أبو جاسر في مخيم جباليا بأنها واحدة من أبرز العائلات الرياضية، وبرز منها عدد من النجوم في الألعاب الجماعية والفردية، كان خالد أبو جاسر أحد أبرز نجوم الجيل الذهبي للكرة الطائرة في نادي خدمات جباليا خلال تسعينيات القرن الماضي.
كما تألق شقيقه محمد في صفوف النادي الأهلي الفلسطيني، بينما جمع سليم أبو جاسر بين التألق في كرتي القدم والطائرة، قبل أن يتحول إلى تدريب فريق خدمات جباليا.
أما عبد الحميد أبو جاسر، فترك بصمته لاعبا لكرة اليد في نادي خدمات جباليا، ثم إداريا في نادي شباب جباليا، قبل أن تنقلب مسيرته الرياضية إلى فصل آخر عنوانه الأسر والمعاناة.
معاناة بدأت بالاختفاء
يروي سليم أبو جاسر تفاصيل رحلة البحث عن شقيقه التي بدأت في 14 أغسطس/آب 2024، عندما فقدت آثاره في منطقة شرق جباليا. 
وعلى مدار ثلاثة أشهر عاشت العائلة بين احتمالين قاسيين؛ الاستشهاد أو الاعتقال، دون أن تمتلك أي معلومة مؤكدة عن مصيره.
ومع مرور الوقت، بدأت تتسرب أولى المؤشرات عبر أسرى مفرج عنهم أكدوا تعرفهم إلى عبد الحميد داخل سجون الاحتلال، لكن دون أي اعتراف رسمي من سلطات الاحتلال، ما أبقى العائلة رهينة القلق والانتظار.
رحلة عذاب بين السجون
تكشف المعلومات القليلة التي تمكنت العائلة من جمعها حجم الانتهاكات التي تعرض لها عبد الحميد خلال فترة اعتقاله. فقد بدأت رحلته في معتقل "سدي تيمان" سيئ السمعة، قبل نقله إلى سجن عسقلان، حيث تعرض لتعذيب جسدي ونفسي قاسٍ أدى إلى تفاقم إصابة سابقة كان يعاني منها في الأعصاب.
لاحقا نُقل إلى مستشفى سجن الرملة، ثم إلى سجن نفحة، وسط مؤشرات متزايدة على تدهور وضعه الصحي وإصابته بأمراض جلدية انتشرت بين الأسرى نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية.
وبعد أشهر طويلة من الغموض، تلقت العائلة قبل عشرة أيام أول معلومة موثقة عن مكان وجوده، عبر مؤسسة أمريكية تُعنى بقضايا اللاجئين، أكدت نقله إلى سجن عوفر، لتنتهي بذلك فترة طويلة من الشائعات والتكهنات حول مصيره.
انتظار تحت سقف متصدع
في منزل متضرر بفعل القصف وقريب من مناطق التماس شمال جباليا، تواصل عائلة عبد الحميد حياتها في ظروف بالغة القسوة. زوجته وأطفاله الستة ووالداه يعيشون على أمل خبر يفتح باب الفرج، فيما يزداد ثقل الغياب يوما بعد يوم.
غاب عبد الحميد عن أسرته، وغابت معه تفاصيل الحياة الطبيعية، لتتحول أيام العائلة إلى انتظار دائم لصفقة تبادل أو انفراجة تعيده إلى منزله وأبنائه.
استهداف يتجاوز الأفراد
ولا تمثل قضية عبد الحميد أبو جاسر حالة استثنائية، بل تأتي ضمن استهداف واسع طال الحركة الرياضية الفلسطينية خلال حرب الإبادة على غزة. فقد ارتقى أكثر من 1015 رياضيا بين لاعب ومدرب وإداري، إلى جانب مئات الجرحى والمفقودين والمعتقلين الذين ما تزال مصائر كثير منهم مجهولة.
وامتد هذا الاستهداف إلى الضفة الغربية، عبر حملات الاعتقال والتحقيق والمنع من السفر التي طالت عددا من الرياضيين، من بينهم لاعب المنتخب الوطني عدي خروب، الذي تعرض للاحتجاز والتحقيق عقب عودته من تمثيل فلسطين دوليا، إضافة إلى لاعبة المنتخب النسوي رند الحلواني التي تعرضت للاعتقال في إطار التضييق المستمر على الرياضة الفلسطينية.
وبينما يحتفل العالم بمونديال 2026، يخوض عبد الحميد أبو جاسر مباراته الأصعب خلف القضبان، فيما تواصل عائلته الصمود فوق ركام منزلها في جباليا. إنها حكاية رياضي فلسطيني انتقل من الملاعب إلى السجون، لكنها أيضا حكاية رياضة فلسطينية كاملة تحاول البقاء رغم الحرب والاعتقال والدمار.