فلسطين أون لاين

ترامب - الشرق الأوسط.. هل تعود المنطقة إلى زمن الاستقطاب الكبير؟

التحولات الكبرى في التاريخ ليست مجرد لعبة تختصر بتبدل الرؤساء أو الحكومات ولا تختصر بالشكل بل مرحلة تعيد فيها القوى الكبرى ترتيب أولوياتها وأدواتها ونمط تحالفاتها كما هي حال الشرق الأوسط -ترامب حرب تقاطع  مزجت بين الجغرافيا والدين وتتداخل الطاقة مع الأمن، في وقت تحولت الممرات البحرية قوة تمسك الاقتصاد العالمي، خلقت مشهد  تجاوز حدود التغيير  التي عمل عليها ترامب وهدف لتحقيقها لتفرض معادلة يصعب التنبؤ بحدودها ومستقبلها بعدما رسخت حاله لم تكن ضمن حسابات واشنطن ولا حلفاء ترامب ترجمت ضغوط اقتصادية بدت بسلاسل  التوريد لتضرب الإنتاج بنتيجة اولية الخاسر الاكبر واشنطن بحدود تجاوزت الولايات المتحدة لتصيب الاقتصاد العالمي وتطال معظم عواصم الصناعة، وتخلق ازمة تفاقم الاقتصاد العالمي المترنح الذي يعاني، وكان على أبواب أزمة مالية حذر منها الخبراء.

ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بدورة رئاسية جديدة لتعيد معها جدلا كبيرا حول طبيعة السياسة الأمريكية المقبلة وحدودها، فالرجل الذي اشتهر بتفضيل سياسة الضغوط القصوى وإعادة تشكيل التحالفات يدخل مرحلة  تختلف كثيرًا عن ولايته الأولى بدء من حرب غزة وصولا الى التوتر مع إيران بما فيها أمن الملاحة في البحر الأحمر بالتوازي مع تحولات في العلاقات العربية عوامل زادت على المشهد تعقيدًا  اكثر وقلق يفوق  أي وقت مضى.

فبرغم  من اختلاف الإدارات الأمريكية بأساليبها، وتنوعها بين جمهوري ومحافظ لكن ثمة هدف لا يمكن المساس فيه على العكس بل هو رافعة سياسية لمن يسكن البيت الابيض يتمثل  بدعم إسرائيل بهدف يُعتبر من ثوابت السياسة الأمريكية ما يطرح  سؤالا يفرض نفسه ليس ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الدعم، بل : كيف ينعكس ذلك على موازين القوى الإقليمية!؟؟  وما مدى تاثير الدعم اللامحدود في فرص التهدئة أو التصعيد!؟؟؟

من هنا يرى بعض المحللين أن ازدياد الاستقطاب بين المحاور الإقليمية قد ينعكس على الخطاب السياسي في المنطقة، وربما يُستدعى في بعض الساحات خطابٌ ذي طابع مذهبي لتعبئة الجمهور أو لتعزيز التحالفات بالمقابل يرى آخرون أن تجارب السنوات الماضية جعلت دولًا كثيرة أكثر حذرًا من الانزلاق بصراعات داخلية خشية من كلفة على جميع المستويات من إنسانية الى اقتصادية وأمنية.

فالتاريخ القريب يقدم دروسًا مهمة فقد شهدت فيها منطقة الشرق الاوسط محطات امتزجت فيها الخلافات السياسية بالهويات الدينية، وكان لذلك أثر بالغ في استقرار المجتمعات. إلا أن اختزال هذه الصراعات في بعدها المذهبي وحده لا يفسر المشهد بالكامل  تلعب فيها  اعتبارات النفوذ ودور الطاقة الاقتصاد الممرات البحرية وصولا للعلاقات الدولية أدوارًا أكثر أهمية لا بل تكون بخدمة المشروع.

ومن المعلوم أن سياسة واشنطن في الشرق الأوسط لا تُبنى على ملف واحد بل على منظومة مصالح تشمل أمن الحلفاء وحرية الملاحة بهدف استقرار أسواق الطاقة اولا  ثم مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه تمتلك القوى الإقليمية حساباتها الخاصة، وهو ما يجعل التفاعلات أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في إرادة طرف واحد بعكس العقيدة السياسية الأميركية والانفلاشة الكبرى.

ومن هنا يتبين أن مستقبل الشرق لن يتحدد وفق إرادة واشنطن وحدها، بل بقدرة قوى عملت على إدارة معركتها وتحويل الأزمة إلى فرصة* تبدأ بطي صفحة كل الخلافات السياسية وضرب كل أشكال انقسام المجتمع  حتى التي يصعب احتواؤها، فالتجارب تؤكد أن إشعال الأزمات أسهل من إنهائها، وأن الثقة التي تُهدم بساعات تحتاج لسنوات لإعادة بنائها كذلك الشعوب المستهدفة تدفع الثمن الأكبر لكنها لا تتراجع خاصة إذا كانت الحرب حرب وجود كما هو واقع الشرق الأوسط الذي يقف اليوم أمام مفترق طرق تحديات أمنية واقتصادية متراكمة وفرص لبناء تفاهمات جديدة إذا ما توفرت إرادة سياسية حتى اللحظة يقوضها الأميركي ربطا بمشروعه للشرق الاوسط، وبين هذين المسارين يبقى مستقبل المنطقة رهينًا بحدود مغامرة ترامب وإدارة التنافس وقطع طريق الانزلاق إلى مواجهات أوسع.

ولعل السؤال الأهم ليس: من سيربح جولة السياسة المقبلة، بل: هل تستطيع المنطقة أن تتجنب تكرار أخطاء الماضي؟ وهل يسمح لها ترامب أن تبني أمنها وفق مصالحها وضمن المؤسسات؟ فهل يسمح الأميركي ؟ أمام واقع أننا بمرحلة إدارة أزمة ولم تنضج ظروف الحل ، فالتاريخ علّمنا أن الأمم التي تنجح في إدارة اختلافاتها بالحكمة تملك فرصة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا بعكس التي تجعل الانقسام قدرًا دائمًا فإنها تظل أسيرة دوائر لا تنتهي من الأزمات وهذا واقع الشرق الاوسط تحت وطاة جشع الأميركي.

ليبقى أكبر من أن يُختزل بإرادة مستعمر يفرض معادلة واحدة مبنية على مصالحه أعقد من أن تفسَّر بسبب واحد تتشابك مصالح اميركا بحكومات مهمة وهدف الارتباط بالمشروع الأميركي بواقع لا يمكن تفسيره إلا بعد فهم المستقبل بقراءة شاملة تجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والجغرافيا، لتفتح الباب أمام الحلول مهما بدت التحديات كبيرة.

المصدر / فلسطين أون لاين