فلسطين أون لاين

ورقة بحثية تحذر من تداعيات تراجع الاستجابة الإغاثية واتساع الفجوة الغذائية في غزة

...
المجاعة في غزة - (صورة أرشيفية)

كشفت ورقة بحثية حديثة حملت عنوان "فجوة الاستجابة الإغاثية في قطاع غزة: تداعيات تقليص خدمات المطبخ العالمي وتحديات استدامة التكيات المحلية" عن مؤشرات مقلقة بشأن مستقبل الأمن الغذائي داخل قطاع غزة، وسط تراجع ملحوظ في خدمات بعض المؤسسات الإغاثية الدولية، مقابل محدودية قدرة المبادرات المحلية على تغطية الاحتياجات المتزايدة للسكان.

وأوضحت الورقة أن تقليص خدمات "المطبخ العالمي" لم يكن مجرد انخفاض في عدد الوجبات المقدمة، بل شكّل تحولًا مؤثرًا في خريطة العمل الإنساني داخل القطاع، إذ كانت المؤسسة تمثل أحد أكبر مزودي الوجبات الجاهزة للنازحين، ما جعل تراجع نشاطها يترك فراغًا كبيرًا لم تتمكن الجهات الأخرى من تعويضه بالكامل.

وبيّنت أن المؤسسة قلّصت عدد كوادرها في القطاع بأكثر من 70 بالمئة خلال شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو 2026، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد كبير من نقاط التوزيع، وتحويل العبء الإغاثي بصورة شبه كاملة إلى 182 مطبخًا مجتمعيًا (تكية) تنتج نحو 1.7 مليون وجبة يوميًا.

وأشارت الورقة الصادرة عن (المركز الفلسطيني للدراسات السياسية) إلى أن هذه التكيات، المحرومة من أي مظلة حماية دولية، تواجه استهدافًا عسكريًا مباشرًا وحصارًا خانقًا لسلاسل التوريد، الأمر الذي يفاقم من هشاشة منظومة الأمن الغذائي ويهدد استمرارية عملها.

ووفق البيانات التي استعرضتها الورقة، فإن نحو 77 بالمئة من سكان القطاع، أي ما يقارب 1.6 مليون شخص، يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، فيما يتفشى سوء التغذية بين 132 ألف طفل دون سن الخامسة، إضافة إلى 55,500 امرأة حامل ومرضع.

وأكدت أن منظومة الأمن الغذائي في قطاع غزة تواجه أخطر تحدياتها منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وذلك عقب إعلان منظمة "المطبخ العالمي" تقليص نشاطها الميداني في القطاع.

وأرجعت هذا التقليص إلى أزمات تمويلية خانقة وتوجهات جديدة لإعادة هيكلة النشاط المؤسسي، تفاقمت بفعل التطورات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع الإقليمي المتجدد منذ شباط/فبراير 2026، وما نتج عنها من اضطرابات أثرت على سلاسل التوريد الخاصة بالمنظمات الدولية العاملة في مناطق النزاع، وفي مقدمتها قطاع غزة.

وذكرت أن هذا الانكفاء يأتي بعد أن وفرت المنظمة أكثر من 360 مليون وجبة منذ بدء نشاطها في أواخر عام 2023، باستثمارات تجاوزت 500 مليون دولار.

وحذرت من أن غياب هذا الدور الإغاثي سيؤدي إلى اتساع الفجوة الغذائية، ويضع أكثر من 1.6 مليون فلسطيني، أي ما يقارب ثلاثة أرباع سكان القطاع، في مواجهة مباشرة مع مستويات كارثية من الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

وتناولت الورقة توزيع الوجبات المقدمة للنازحين من قبل المؤسسات الدولية في مختلف مناطق القطاع، من خلال مقارنة عدد الوجبات بأعداد المستفيدين، إلى جانب تحليل التكاليف التشغيلية لمكونات الغذاء، مع الأخذ بعين الاعتبار حالة التذبذب المستمرة في الأسعار داخل السوق المحلية.

الأكثر تعقيدا

وبحسب معد الورقة البحثية خالد أبو عامر فإنّ ملف الأمن الغذائي في غزة يُعد أحد أكثر التحديات الإنسانية والاجتماعية تعقيدًا، في ظل اعتماد غالبية السكان الذين يشكلون ما يقارب ثلثي سكان القطاع، على "التكايا" كمصدر أساسي للغذاء.

وذكر أبو عامر أنه على مدار أكثر من عامين ونصف من الحرب والحصار، تحولت "التكايا" إلى عنصر أساسي في المنظومة الغذائية لسكان القطاع، في ظل عجز أعداد كبيرة من المواطنين عن شراء المواد الغذائية أو مجاراة ارتفاع أسعارها في الأسواق.

وأشار إلى أنه منذ بدء تطبيق وقف إطلاق النار الهش، واصلت "إسرائيل" استخدام أدوات الضغط الإنساني بالتوازي مع الضغوط العسكرية والميدانية، ما أدى إلى تراجع نشاط العديد من التكايا بسبب الاستهدافات المتكررة للمطابخ والعاملين فيها، إلى جانب منع إدخال أصناف متعددة من المواد الغذائية وغاز الطهي، وفرض قيود على عمل المؤسسات الإغاثية.

وأكد أن هذه الضغوط دفعت مؤسسات دولية عدة، وفي مقدمتها "المطبخ العالمي" إلى تقليص أنشطتها بشكل كبير، موضحًا أن المؤسسة خفضت عملياتها بأكثر من 80 بالمئة، واستغنت عن نحو 500 متطوع من أصل 700، وحصرت خدماتها الغذائية بالمستشفيات والمرضى والعاملين فيها، بعد أن كانت تقدم ما يقارب 500 ألف وجبة يوميًا، ووصل إنتاجها خلال ذروة المجاعة العام الماضي إلى نحو مليون وجبة يوميًا.

وحذر من أن غياب الوجبات التي يوفرها "المطبخ العالمي"، والتي تسهم بما بين 25 و30 بالمئة من إجمالي الوجبات المقدمة يوميًا، سيضع مئات الآلاف من الأسر أمام ظروف معيشية بالغة الصعوبة.

وشدد على أن الأزمة قد تتفاقم بشكل أكبر إذا قررت مؤسسات دولية أخرى السير في الاتجاه ذاته وتقليص أنشطتها، في وقت يعاني فيه أكثر من نصف مليون فلسطيني مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي، لا سيما بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات.

وأكد أبو عامر أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا للضغط من أجل التراجع عن قرارات تقليص الخدمات الإغاثية، وضمان تدفق المساعدات والمواد الغذائية إلى القطاع دون قيود، بما يحول دون تكرار مشاهد المجاعة التي عاشها سكان غزة خلال العام الماضي، ويسهم في إبقاء أسعار السلع الأساسية ضمن حدود يمكن للمواطنين تحملها.

المصدر / غزة/ فلسطين أون لاين: