فلسطين أون لاين

الهمص.. حين انتهى الطريق عند المساعدات

...
الطفل عبد الرؤوف الهمص
غزة/ مريم الشوبكي:

منذ نحو عام، يستيقظ أيمن الهمص كل صباح على الأمل ذاته؛ أن تصله مكالمة أو معلومة أو خبر يبدد الغموض الذي يلف مصير ابنه عبد الرؤوف، الطفل الذي خرج ذات مساء بحثًا عن الطعام لعائلته، ولم يعد حتى اليوم.

في الحادي والعشرين من يونيو/حزيران 2025، غادر عبد الرؤوف الهمص (16 عامًا) مركز الإيواء الذي تقيم فيه أسرته النازحة من رفح إلى خانيونس، متوجهًا إلى نقطة توزيع المساعدات المعروفة باسم "نقطة الطينة". كانت العائلة، كغيرها من آلاف الأسر في قطاع غزة، تعيش ظروفًا قاسية من الحصار والجوع، وأصبح الحصول على الغذاء مهمة يومية محفوفة بالمخاطر.

يستعيد والده تفاصيل ذلك اليوم بصوت يثقله الانتظار، قائلًا لصحيفة "فلسطين": "خرج عبد الرؤوف قرابة الساعة الخامسة مساءً، لأن نقطة المساعدات كانت تفتح أبوابها عند السادسة. كان هدفه الوحيد أن يجلب بعض الطعام للعائلة، شأنه شأن مئات الأشخاص الذين كانوا يتوجهون إلى هناك يوميًا".

لكن عبد الرؤوف لم يعد.

ومع حلول المساء، بدأ القلق يتسلل إلى أفراد الأسرة، قبل أن تتحول الساعات إلى كابوس مفتوح. يقول والده: "عندما تأخر ولم يعد، سألنا شهود عيان كانوا في المنطقة، فأخبرنا بعضهم أن الجيش الإسرائيلي حاصر مجموعة من الشبان واقتادهم من المكان".

في صباح اليوم التالي، توجه الأب إلى المنطقة التي شوهد فيها ابنه للمرة الأخيرة، غير آبه بالمخاطر التي كانت تحيط بها.

ويقول: "كنت هناك منذ الساعة الخامسة صباحًا. كانت المنطقة شديدة الخطورة والطائرات تحلق باستمرار، لكنني لم أكن أفكر إلا في البحث عن ابني".

تنقل بين الطرقات ومحيط نقطة المساعدات، ثم جاب المستشفيات ومراكز الإيواء، دون أن يعثر على أي أثر لعبد الرؤوف.

ويضيف: "لم نعثر على جريح أو شهيد، ولم نجد حتى قطعة ملابس أو أي متعلقات شخصية يمكن أن تدل عليه".

كان عبد الرؤوف قد خرج برفقة عدد من الفتيان والشبان. بعضهم عاد إلى عائلاته، بينما اختفى آخرون في الظروف ذاتها.

Copilot_20260609_105750.png
 

ويقول والده: "كان برفقته سبعة أو ثمانية شبان تقريبًا، وحتى اليوم لا يزال خمسة أو ستة منهم مجهولي المصير مثله".

ومع مرور الأيام، بدأت رحلة البحث الرسمية. طرق الأب أبواب المؤسسات الحقوقية والإنسانية، وقدم بلاغات لدى جهات متعددة على أمل الحصول على معلومة مؤكدة.

ويتابع: "توجهنا إلى الصليب الأحمر، ومؤسسات حقوق الإنسان، وهيئة شؤون الأسرى، وسائر الجهات المعنية، لكننا لم نتلقَّ أي رد رسمي يحسم مصيره".

ورغم غياب أي تأكيد رسمي، بدأت تصل إلى العائلة روايات متفرقة من أسرى أُفرج عنهم من السجون الإسرائيلية.

ويقول أيمن: "أكثر من أسير أخبرنا أنه شاهد عبد الرؤوف داخل السجن، وبعضهم ذكر اسمه بشكل واضح وأكد وجوده هناك".

وتكررت الشهادات من أشخاص لا تربطهم بالعائلة أي معرفة سابقة، ما أعاد إشعال جذوة الأمل في قلب الأب.

ويضيف: "أحد الأسرى المفرج عنهم أخبرني بتفاصيل دقيقة عن ابني وأخيه ومكان سكننا، وعندما عرضت عليه صورة عبد الرؤوف أكد أنه هو بالفعل".

كما تلقت العائلة معلومات عبر وسطاء ومؤسسات دولية تشير إلى احتمال وجود الفتى في أحد السجون الإسرائيلية، إلا أن تلك المعلومات لم ترتقِ حتى الآن إلى مستوى التأكيد الرسمي.

ويقول الأب: "وصلتنا معلومات تفيد بوجوده في السجن، لكن حتى هذه اللحظة لا يوجد إثبات رسمي. نحن نعيش بين الأمل والانتظار".

ورغم مرور الشهور الطويلة، لم يتوقف أيمن عن البحث. يتابع قوائم الأسرى المفرج عنهم، ويحاول التواصل مع كل أسير يخرج من السجون أملاً في الحصول على معلومة جديدة.

ويقول: "كلما أُفرج عن أسير أحاول الوصول إليه وسؤاله عن عبد الرؤوف، فربما تحمل كلمة واحدة خبرًا يطمئن قلوبنا".

في مركز الإيواء الذي تعيش فيه الأسرة، ما زال عبد الرؤوف حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. والدته تنتظر، وإخوته ينتظرون، فيما يواصل والده حمل صورته في الوقفات الاحتجاجية والمناشدات التي ينظمها أهالي المفقودين.

ويقول: "نظمنا وقفات احتجاجية مع عائلات المفقودين لإيصال صوت أبنائنا إلى العالم. هؤلاء أطفال، وأمهاتهم يعشن ألمًا لا يمكن وصفه".

WhatsApp Image 2026-06-05 at 7.36.55 PM.jpeg
 

وعلى الرغم من الغياب الطويل، يرفض أيمن التعامل مع ابنه كرقم جديد في قائمة المفقودين.

ويقول: "ما دمنا لم نعثر على أي أثر له، وما دام هناك من أكد أنه شاهده، فإننا متمسكون بالأمل. ربما يكون حيًا وينتظر لحظة الفرج".

يصمت قليلًا قبل أن يضيف: "كل ما أريده هو معرفة مصير ابني. إذا كان حيًا نطمئن عليه، وإذا كان قد أصابه مكروه نعرف الحقيقة. أصعب ما يعيشه الأب أن يبقى معلقًا بين الأمل والخوف كل هذا الوقت".

هكذا تستمر حكاية عبد الرؤوف الهمص، الطفل الذي خرج بحثًا عن الغذاء لعائلته النازحة، فتحول هو نفسه إلى قصة انتظار طويلة، ما تزال أسرته تكتب فصولها يومًا بعد يوم، على أمل أن ينتهي الغياب بخبر يعيده إليهم.

المصدر / فلسطين أون لاين