بالرغم من أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بأي من استحقاقات المرحلة الأولى، تطرح أمريكا عبر الممثل السامي لشؤون غزة في مجلس السلام العالمي نيكولاي ملادينوف رؤية تهدف للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عبر ربط كل الملفات كالإعمار والقوات الدولية وإدخال اللجنة الإدارية بقضية نزع سلاح المقاومة، وهو ما عدَّته حركة حماس مخالفا لاتفاق "شرم الشيخ" لوقف إطلاق النار.
ويوم السبت شهدت العاصمة المصرية عقد اجتماعات فصائلية بمشاركة ممثلين عن حركة حماس والجبهتين الشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي لحركة فتح، قبل جلوس وفد الحركة المفاوض مع وسطاء في مصر وقطر وتركيا، وكذلك مع ممثلي مجلس السلام العالمي لمناقشة التعديلات المطروحة من جانب الوسطاء على تصور سابق طرحه ملادينوف.
ويرأس وفد حماس المفاوض د. خليل الحية، ويضم أعضاء المكتب السياسي للحركة: زاهر جبارين، وغازي حمد، وحسام بدران.
ورأى الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، أن جولة المباحثات تأتي في توقيت حساس، في وجود الضغوط التي تمارس على الشعب الفلسطيني وانحياز أطراف دولية للاحتلال، عبر طرح أوراق تتبنى مطالب الاحتلال الذي لم يلتزم باستحقاقات المرحلة الأولى.
استسلام سياسي
وقال المدهون لصحيفة "فلسطين": إن "الفصائل تسعى إلى قف العدوان بشكل كامل وإلزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاق والانسحاب من القطاع، في حين يسعى الوسطاء لتقريب وجهات النظر والوصول لصيغ تفاهم قابلة للتنفيذ، ويحاول الاحتلال بدعم من ملادينوف استثمار الجولة للضغط على المقاومة لدفعها نحو الاستسلام الكامل، عبر فرض شروط استسلام سياسي وأمني على الشعب".
وأثير في المدة الأخيرة طرح اسم زعيم التيار الإصلاحي محمد دحلان للعب دور أوسع في إدارة غزة، إلا أن قيادات مطلعة على المباحثات تنفي وجود مساعٍ للعب دحلان دورا أوسع في المباحثات.
ولفت المدهون إلى أن التيار الإصلاحي حاضر في المشهد منذ بداية الحرب، ولم يكن غائبا عن اللقاءات والمشاورات المختلفة، في إطار قنوات التواصل بين مختلف القوى والفصائل انطلاقا من إدراك الجميع لحجم التحديات.
أما طرح اسم محمد دحلان، فيرى المدهون أنه يحمل أبعادًا سياسية وإعلامية متعددة، وأن هناك محاولات من بعض الأطراف لإرباك الحالة الفلسطينية وإثارة المخاوف داخل العقل الفلسطيني من مجرد طرح أفكار أو خيارات جديدة، من خلال التركيز على أسماء بعينها، وكأن المطلوب هو مصادرة حق الفصائل الفلسطينية أو المفاوض الفلسطيني في التفكير والبحث عن المخارج والحلول الممكنة للأزمة الراهنة.
وأكد أن المعيار الوطني الذي يجب أن يحكم أي دور أو مبادر أهم من الشخصيات، بأن يتم التعامل مع أي طرف قادر على المساهمة في التخفيف من معاناة الشعب وتقديم حلول تحظى بقبول وطني تحافظ على الثوابت وفق هذا المعيار.
وفي الوقت ذاته، يحذر المدهون من محاولات الاحتلال استغلال التباينات الفلسطينية الداخلية أو توظيفها لخدمة أجندته السياسية. لذلك فإن أي ترتيبات أو حلول مستقبلية يجب أن تستند إلى توافق فلسطيني شامل، يضم مختلف الفصائل والقوى ومكونات الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الخيارات من الخارج.
ويعتقد أن الانحياز الأمريكي الواضح للاحتلال يمثل أحد أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاق عادل ومستدام، لأنه يضعف الثقة بأي مسار تفاوضي ويشجع الاحتلال على مواصلة سياساته الوحشية دون تحمل مسؤولياته القانونية والسياسية.
وقال: "أثبتت التجربة أن أي وساطة لا تتسم بالحد الأدنى من التوازن والحياد تصبح جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل. ولذلك فإن استمرار الانحياز الأمريكي يطيل أمد الحرب ويعقّد فرص الوصول إلى تسوية حقيقية".
وفي المقابل، تبرز الحاجة، وفق المدهون، إلى موقف عربي وإسلامي أكثر فاعلية وقدرة على التأثير في موازين الضغط السياسي والدبلوماسي، بما يدفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع القضية الفلسطينية وفق قواعد العدالة والقانون الدولي، وليس وفق موازين القوة وحدها.
كما أن ما يجري في غزة لم يعد شأناً فلسطينياً داخلياً فقط، بل بات مرتبطاً بأمن واستقرار المنطقة بأسرها، خاصة في ظل مشاريع التهجير القسري وما تمثله من تهديد مباشر للأمن القومي العربي، وفي مقدمته الأمن القومي المصري. ومن هنا فإن المسؤولية تتطلب تحركاً جاداً وفاعلاً قبل أن تتفاقم التداعيات أكثر فأكثر. والكلام للمدهون
تصعيد مدروس
وفي وقت يعتقد كثيرون أن هدف الجولة الحالية التحضير لانسحاب الاحتلال من غزة، يخالف المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج هذا الاعتقاد، معتقدا أن جولة المفاوضات تأتي لتعكس حقيقة ميدانية وسياسية واحدة وهي أن الاحتلال لا يبحث عن انسحاب بل يسعى لشرعنة واقع أمني وجغرافي جديد ولكن عبر الدبلوماسية وبغطاء امريكي وعربي دولي لفرض الامر الواقع.
وقال الحاج لصحيفة "فلسطين": إن "التصعيد الميداني واستهداف قيادات المقاومة بالتزامن مع المحادثات ليس مجرد ضغط تفاوضي بل هو تطبيق عملي لاستراتيجية قضم الأراض وان الاصرار على توسيع الخطوط "الأمنية" و " المناطق العازلة" يبرهن أن الانسحاب الشامل مستبعد في عقيدة الاحتلال الحالية، وأنه على العكس من ذلك يسعى لتحويل ذلك إلى سياق مستمر وشرعي.
ورأى أن الدور الأمريكي يتحرك كترجمة سياسية لطموحات الاحتلال التي فشل في تحقيقها عسكريا، وبالتالي فإن المقترحات المطروحة تسعى لانتزاع تنازلات جوهرية عبر وسائل دبلوماسية كربط الاعمار بتفكيك سلاح المقاومة وابعادها عن إدارة القطاع سواء عبر لجان تكنوقراط أو قوات دولية أو ما إلى ذلك من حلول يمكن أن يتفتق عنها الدهاء الامريكي او عبر تقديم ضمانات فضفاضة لا تحول دون مواصلة الاحتلال لعدوانه تحت حجج كثيرة وواهية وفي مقدمتها "الدفاع عن النفس".
ويعتقد أن القاهرة لا تشهد جولة تفاوض بالمعنى التقليدي بل هي معركة سياسية لتحديد مصير الجغرافيا في غزة حيث يسعى الاحتلال وواشنطن ومن خلفهما بعض الاطراف العربية والفلسطينية لفرض صيغة تهدئة مقابل الاستسلام، بينما تواجه حركات المقاومة تحدي صياغة موقف موحد يرفض مقايضة الحقوق الوطنية بوعود انسانية عابرة فضلا عن حشد

