يُروى على سبيل التمثيل أن دودةً كانت تنصح أبناءها فتقول لهم: "إياكم والدجاج والبط، فإنهما من أخطر المخلوقات عليكم، أما الأسد والنمر والفهد فلا تخافوا منها كثيراً". ولو سمع الإنسان هذه النصيحة لابتسم مستغرباً، إذ كيف يكون الأسد أقل خطراً من الدجاجة؟ وكيف يُقدَّم البط على النمور في قائمة المخاطر؟ غير أن سرّ الحكمة لا يظهر إلا إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية الدودة نفسها لا من زاوية الإنسان. فالدجاجة التي تبدو لنا حيواناً أليفاً ضعيفاً هي بالنسبة إلى الدودة موتٌ متحرك، تبحث عنها في التراب وتلتقطها بمنقارها في لحظة خاطفة. أما الأسد الذي ترتعد له فرائص البشر فربما تعيش الدودة عمرها كله دون أن تراه أو يراها. ومن هنا يتبين أن حجم الخطر لا يُقاس دائماً بقوته المجردة، بل بمقدار تأثيره المباشر علينا وقربه من حياتنا.
وهذه الحقيقة لا تقتصر على عالم الحيوان، بل تمتد إلى حياة الإنسان كلها، أفراداً ومجتمعات. فكثير من الناس ينشغلون بالأخطار البعيدة الضخمة، ويتحدثون عنها صباح مساء، بينما يغفلون عن الأخطار القريبة التي تتسلل إلى حياتهم كل يوم. وقد يكون الإنسان شديد القلق من عدو خارجي، أو من مشروع فكري بعيد، أو من مؤامرة عالمية، لكنه لا ينتبه إلى العوامل الصغيرة التي تنخر قلبه ودينه وأخلاقه في كل لحظة. إنه يشبه رجلاً يقف مرعوباً من أسد في قارة أخرى، في حين يترك النار تشتعل في بيته.
ومن أعجب ما يُرى في واقع المسلمين أن كثيراً منهم يدركون خطر الكفر إدراكاً نظرياً، ويتحدثون عنه كثيراً، وربما يقضون الساعات الطوال في تحليل مظاهره ومناقشة شبهاته، ولكنهم في المقابل لا يعطون القدر نفسه من الاهتمام للذنوب التي يمارسونها كل يوم، مع أن هذه الذنوب هي التي تترك آثارها المباشرة على قلوبهم. فهم يخافون من النهاية البعيدة، لكنهم لا ينتبهون إلى الطريق الذي قد يقود إليها. يخشون المرض العضال، لكنهم لا يتجنبون العادات التي تفسد صحتهم يوماً بعد يوم. والحقيقة أن الشيطان لا يبدأ مع الإنسان غالباً بالكفر الصريح، وإنما يبدأ معه بخطوات صغيرة من الغفلة والتساهل والتبرير حتى يضعف نور القلب شيئاً فشيئاً. إن القلب لا يُنتزع منه الإيمان دفعة واحدة، بل قد يُسلب على مراحل طويلة. نظرة محرمة يستهين بها صاحبها، ثم معصية تتكرر حتى تألفها النفس، ثم غفلة عن الذكر، ثم فتور في الصلاة، ثم استثقال للطاعات، ثم تعلق بالدنيا، ثم قسوة في القلب، ثم اعتياد للمعصية حتى تصبح أمراً عادياً لا يثير الندم. وهكذا تتراكم الظلمات حتى يجد الإنسان نفسه بعيداً عن الله وهو لا يشعر. ولذلك كانت الذنوب بالنسبة إلى المؤمن أشبه بالدجاجة بالنسبة إلى الدودة؛ فهي الخطر الذي يلازمه في يومه وليلته، ويهاجمه من حيث لا ينتبه.
وقد ربّى القرآن الكريم المؤمنين على الالتفات إلى هذا النوع من الأخطار القريبة. فحين تحدث عن هزيمة المسلمين في أحد لم يوجه الأنظار إلى عبقرية خالد بن الوليد العسكرية ولا إلى قوة المشركين فحسب، وإنما أعاد المسلمين إلى موضع الخلل في أنفسهم: مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم والطمع في الغنيمة والتنازع عند الامتحان. وكأن القرآن يريد أن يعلم الأمة أن العدو الخارجي لا يجد طريقه إلى النفوس إلا بعد أن يظهر الخلل في الداخل. ولذلك فإن إصلاح الداخل كان دائماً مقدماً على الانشغال المفرط بالخارج. ومن هنا نفهم سر اهتمام علماء السلوك والتزكية بأمراض القلوب أكثر من اهتمامهم بالجدل النظري. فقد كانوا يعلمون أن الكبر والعجب والرياء وحب الدنيا والحسد أخطار تلازم الإنسان في كل لحظة، وأنها قد تفسد عليه دينه وهو يظن نفسه من الصالحين. وكان أحدهم يخاف من ذنب صغير يراه الناس هيناً أكثر مما يخاف من فتنة فكرية بعيدة، لأنه يعرف أن الذنب واقعٌ عليه بالفعل، أما تلك الفتنة فقد لا يبتلى بها أصلاً.
إن الحكمة تقتضي أن يحدد الإنسان أخطاره الحقيقية لا أخطاره المتخيلة. وليس معنى ذلك التقليل من شأن الكفر أو البدع أو المؤامرات أو التحديات الكبرى التي تواجه الأمة، فكل ذلك له خطره بلا شك، ولكن المقصود أن يبدأ المرء بما هو أقرب إليه وأشد تأثيراً في قلبه. فالذي يترك الصلاة أو يستهين بالغِيبة أو يطلق بصره في الحرام أو يأكل حقوق الناس ثم يقضي وقته كله في الحديث عن أخطار بعيدة يشبه دودةً تخاف من الأسود وتطمئن إلى الدجاج الذي ينقر رأسها كل يوم.
إن أعظم درجات البصيرة أن يعرف الإنسان ما الذي يهدد إيمانه فعلاً، وما الذي يبعده عن الله حقيقةً. فليست كل المخاوف متساوية، وليست كل الأخطار سواء. وربما كان أكبر ما يخشاه المرء في خياله أقل ضرراً عليه من معصية صغيرة اعتادها حتى ألفها قلبه. ومن عرف هذا المعنى انشغل بمحاسبة نفسه قبل محاسبة غيره، وبإصلاح قلبه قبل إصلاح العالم، وبإغلاق الأبواب التي يدخل منها الشيطان إليه قبل أن يكثر الحديث عن الأبواب البعيدة. فالدودة العاقلة لا تبدأ حديثها عن الأسود، بل تبدأ بتحذير أبنائها من الدجاجة التي تنتظرهم عند أول حفرة في الطريق.

