على وقع الأهازيج الشعبية التي طالما رافقت أفراح الفلسطينيين، يستعد الشاب أيمن عوض (20 عامًا) لدخول مرحلة جديدة من حياته، لكن هذه المرة دون والديه أو إخوته الذين كان يفترض أن يحيطوا به في يوم زفافه.
يقف أيمن، اليوم وحيدًا أمام مراسم عقد قرانه، بعدما حوّلت صواريخ الاحتلال الإسرائيلي أسرته إلى ذكرى مؤلمة ما تزال تفاصيلها حاضرة في قلبه وعقله.
لم يكن عوض، يتخيل أن يتحول من أصغر أفراد أسرته إلى الناجي الوحيد منها خلال لحظات قليلة.
ففي الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قصفت طائرات الاحتلال المنزل الذي لجأت إليه عائلته في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، بعد أن أُجبرت على النزوح من شمال القطاع.
واقع جديد
في مساء ذلك اليوم، استهدفت الغارة الإسرائيلية المنزل الذي احتمت فيه العائلة مع عدد من أقاربها، لتتحول لحظات اللجوء إلى واحدة من أكثر الذكريات قسوة.
وأسفر القصف عن استشهاد 28 فردًا من أفراد العائلة، بينهم جهاد والد أيمن ووالدته وإخوته الستة، فيما أُصيب عشرات آخرون بجروح متفاوتة.
وسط الركام والغبار والصراخ، وجد "أيمن" نفسه وحيدًا في مواجهة واقع جديد لم يختره، أصيب بجروح خطيرة في يديه وقدميه وبطنه، ونُقل إلى مستشفى شهداء الأقصى حيث أمضى أشهرًا طويلة بين العمليات والعلاج ومحاولات التعافي.
ويتذكر الشاب تلك الأيام بصعوبة، فالجراح التي تركها القصف لم تكن جسدية فقط، بل امتدت إلى روحه وقلبه.
ومع استمرار الحرب وتزايد أعداد الجرحى، اضطر إلى استكمال رحلة العلاج داخل المنزل في ظل النقص الحاد في الإمكانات الطبية والأسرة العلاجية.
ذكرى حاضرة
ورغم كل ما فقده، قرر "أيمن" ألا يسمح للحرب بأن تسلبه حقه في الحياة، فاليوم، وعلى أنقاض الشقة السكنية التي كان يحلم بأن تجمعه بأسرته الكبيرة في المناسبات السعيدة، يستعد لتأسيس أسرة جديدة، في محاولة للتمسك بالأمل وسط واقع يزداد قسوة.
ويقول عوض لصحيفة "فلسطين"، بينما تختلط في عينيه دموع الحزن بملامح الفرح المرتقب: "كان والداي ينتظران هذا اليوم بفارغ الصبر، وكانا يحلمان بأن يشاركانني تفاصيل زفافي، لكن القصف حرمني من وجودهما ومن وجود إخوتي جميعًا".
ويصمت عوض، للحظات قبل أن يتابع حديثه: "سأكمل الزفاف كما كانا يتمنيان، سأبني بيتًا وأسرة، وإن رزقني الله أطفالًا فسأحمل أسماء والديّ وإخوتي في أبنائي حتى تبقى ذكراهم حاضرة في حياتي".
وبينما يشير إلى آثار الإصابة التي ما تزال واضحة على ذراعه وساقيه، يؤكد أن الألم لم ينجح في كسر إرادته. فكل جرح يحمله يذكره بما خسره، لكنه يذكره أيضًا بضرورة الاستمرار.
ويضيف: "ما حدث لعائلتي لن يُنسى، لكننا شعب تعود أن ينهض من تحت الركام، فالاحتلال أراد أن يزرع الحزن في كل بيت، لكننا سنواصل الحياة ونتمسك بأرضنا وحقوقنا مهما كانت التضحيات".
مواجهة الموت
لا يخفي أيمن، شعوره بالمرارة كلما استحضر صور أفراد أسرته الذين غابوا دفعة واحدة، فالأم التي كانت تخطط لتفاصيل الزفاف، والأب الذي كان ينتظر استقبال الضيوف، والإخوة الذين كانوا يستعدون لمشاركته فرحته، جميعهم رحلوا قبل أن يشهدوا اليوم الذي طال انتظاره.
ومع ذلك، يرى عوض، في زفافه رسالة تتجاوز البعد الشخصي، فإقامة الفرح في ظل الدمار والحرب تمثل بالنسبة له فعلًا من أفعال الصمود، وإعلانًا بأن الحياة لا تزال قادرة على شق طريقها رغم كل ما يحيط بها من مآسٍ.
ويؤكد أن الفلسطينيين في غزة لم يفقدوا قدرتهم على التمسك بالأمل رغم المجازر والدمار والنزوح والفقدان. ويقول: "نريد أن نعيش مثل باقي شعوب العالم، وأن نفرح ونبني أسرنا ونحقق أحلامنا، هذه حقوق طبيعية لن تستطيع الحرب أن تنتزعها منا".
وقصة عوض، ليست مجرد حكاية عريس فقد أسرته، بل صورة مكثفة لما عاشته آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت أبناءها وأحباءها خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وبينما تستمر المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، يصر كثيرون على مواجهة الموت بالحياة، والحزن بالأمل، والدمار بمحاولات متجددة لبناء مستقبل جديد.
وفي يوم زفافه، لن يكون إلى جانب أيمن، والده أو والدته أو أشقاؤه، لكن ذكراهم سترافقه في كل خطوة.
العريس أيمن عوض