تحولت قضية الاعتداء الإسرائيلي على "أسطول الصمود العالمي" و "ائتلاف اسطول الحرية" إلى ملف سياسي وحقوقي يتجاوز حدود المنطقة، ويفتح نقاشا واسعا حول امتداد أدوات القمع والملاحقة إلى الفضاء الأوروبي نفسه، بعد الاعتداءات التي طالت ناشطين ومتضامنين خلال احتجازهم في كيان الاحتلال، ثم الإجراءات الأمنية التي واجهها بعضهم ومستقبلوهم لاحقا في مدينة بلباو الإسبانية.
وفي إقليم الباسك، تصاعدت التحركات الشعبية والسياسية عقب عودة عدد من المشاركين في القافلة، فقد شهدت مدينة بلباو مظاهرات حاشدة وجلسات مساءلة برلمانية، بالتزامن مع مطالبات بفتح تحقيقات مستقلة بشأن ما تعرض له النشطاء من الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى التدقيق في دور شركات أمنية مرتبطة بإسرائيل تعمل داخل مرافق أوروبية.
ويرى المستشار القانوني في المحكمة الجنائية الدولية فؤاد بكر أن القضية لم تعد مرتبطة فقط باعتراض سفن مدنية في المياه الدولية، بل تحولت إلى نموذج يكشف "تدويل أدوات القمع الأمني وتوسيعها خارج الحدود الفلسطينية"، عبر ملاحقة المتضامنين حتى بعد وصولهم إلى أوروبا.
وقال بكر لصحيفة "فلسطين"، إن ما تعرض له المشاركون في أسطول الصمود تجاوز حدود الإجراءات الأمنية التقليدية، ووصل إلى مستوى الترهيب المنظم، من خلال الاعتقالات العنيفة، والتعامل المهين مع النشطاء، ومحاولة تحويل أي نشاط إنساني داعم لغزة إلى قضية أمنية تستوجب الردع والعقاب.
والاربعاء الماضي اعترضت قوات الاحتلال الإسرائيلية سفن أسطول الصمود في المياه الدولية خلتل توجهها الى قطاع غزة لكسر حصار وايصال مساعدات انسانية، قبل احتجاز المشاركين فيها ونقلهم إلى مراكز اعتقال إسرائيلية، تعرضوا خلالها لسوء معاملة واعتداءات جسدية خلال فترة الاعتقال.
كما أثارت طريقة التعامل مع الناشطين موجة غضب دولية بعد ظهور مشاهد لمحتجزين وهم مقيدو الأيدي وراكعون على الأرض داخل مراكز الاعتقال الإسرائيلية، في وقت وصف فيه حقوقيون ما جرى بأنه محاولة لترهيب المتضامنين وتحويل العمل الإنساني إلى ملف أمني وعقابي.
تحركات سياسية وقضائية
وشهد إقليم الباسك موجة احتجاجات وتحركات سياسية متصاعدة عقب عودة بعض الناشطين، اذ خرجت مظاهرة في بلباو شارك فيها نحو ثلاثة آلاف شخص، رفضا لمحاولات قمع التضامن مع فلسطين، وتنديدا بأي تعاون أمني مع جهات مرتبطة بإسرائيل.
كما حضرت القضية بقوة خلال جلسة مساءلة داخل برلمان الباسك، وسط دعوات من ناشطين وسياسيين إلى فتح تحقيق قضائي بشأن ما تعرض له المشاركون في القافلة، خصوصا بعد الحديث عن إجراءات أمنية وتحقيقات مشددة في مطار بلباو بحق بعض العائدين والمتضامنين معهم.
وأشار بكر إلى أن خطورة القضية لا ترتبط فقط بما جرى في المياه الدولية أو داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، بل تمتد أيضا إلى الملاحقات والإجراءات التي تعرض لها ناشطون بعد وصولهم إلى أوروبا، وهو ما يثير، بحسب قوله، تساؤلات قانونية جدية حول طبيعة التنسيق الأمني بين جهات إسرائيلية وشركات تعمل داخل دول أوروبية.
أما في بلباو، فقد تحدثت مجموعات داعمة لفلسطين عن إخضاع بعض النشطاء العائدين، إلى جانب عدد من مستقبليهم والمتضامنين معهم، لإجراءات أمنية وتحقيقات مشددة فور وصولهم إلى المطار، ما زاد من المخاوف المرتبطة بتوسع الملاحقات الأمنية خارج كيان الاحتلال الإسرائيلي.
الشركات الأمنية المرتبطة بـ"إسرائيل"
وتحدث بكر عن الدور الذي تلعبه شركة ICTS International وشبكتها الأمنية، موضحا أن نشاطها داخل مطار بلباو، إلى جانب حضورها في مرافق أمنية ومؤسسات حيوية داخل إقليم الباسك، يفرض أسئلة متزايدة حول طبيعة العلاقة بين هذه الشركات والبنية الأمنية المحلية.
وأوضح أن العقود الأمنية الموقعة مع شركات ذات ارتباطات إسرائيلية تستوجب مراجعة شفافة، خصوصا في ظل الاتهامات المتعلقة بالتعامل مع ناشطين ومتضامنين داعمين لفلسطين، داعيا إلى فتح تحقيق مستقل يحدد طبيعة التنسيق القائم بين هذه الجهات والمؤسسات الأمنية المحلية.
وشدد بكر على أن احترام الحقوق الأساسية وحرية العمل السياسي والإنساني يجب أن يبقى أولوية داخل الدول الأوروبية، محذرا من تحويل المطارات والمرافق المدنية إلى أدوات مراقبة أو تضييق تستهدف النشطاء بسبب مواقفهم السياسية أو الإنسانية.
كما أكد أن القانون الدولي يكفل حماية الناشطين المدنيين وحرية الملاحة والعمل الإنساني، مشيرا إلى أن أي اعتداءات أو انتهاكات تعرض لها المشاركون في القافلة تستوجب المساءلة القانونية الدولية، خاصة في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة وما يرافقه من أزمة إنسانية متفاقمة.
وأثار الوزير المتطرف إيتمار بن غفير موجة غضب واسعة بعد نشر مقطع فيديو ظهر فيه عدد من ناشطي أسطول الصمود، وهم مقيدو الأيدي وراكعون على الأرض داخل مراكز اعتقال إسرائيلية، بينما كان يردد شعارات داعمة للاحتلال ويوجه عبارات استفزازية للنشطاء المحتجزين.
كما أظهرت المقاطع المصورة تعاملا عنيفا مع بعض الناشطات والمتضامنين وسط حضور لبن غفير الذي بدا، وفق منتقديه، وكأنه يحول عملية الاحتجاز إلى استعراض سياسي وإعلامي موجه للرأي العام الإسرائيلي.
وقوبلت هذه المشاهد بإدانات دولية واسعة، إذ اعتبرت منظمات حقوقية، بينها منظمة العفو الدولية، أن ما جرى يمثل انتهاكا خطيرا للقانون الدولي والمعايير الإنسانية، مطالبة بالإفراج عن المحتجزين وضمان حمايتهم وفتح تحقيق مستقل وشفاف في ظروف احتجازهم والانتهاكات التي تعرضوا لها.

