فلسطين أون لاين

إيران وأمريكا بين الردع والاتفاق

بعد أجواء كانت مشحونة بكل مؤشرات الحرب، وكادت فيها مقاتلات السوخوي 24 الإيرانية أن تتصدى لقاذفات البي-2 الأمريكية في سماء غرب إيران، فاجأت الأنباء العالم بتوصل إيران وأمريكا إلى اتفاق ينهي حالة التصعيد العسكري على كافة الجبهات، وهذا الاتفاق الذي لا تزال تفاصيله غامضة لم يأتِ من فراغ بل كان نتاج معادلة ردع جديدة فرضتها إيران على الأرض بعد أن أدركت واشنطن أن التشويش على نظام GPS الممتد من جنوب سوريا إلى شمال عُمان لن يمنع طهران من تحويل مضيق هرمز إلى فخ عالمي أو إغراق قواعدها في بحر من النيران غير التقليدية.

بدلاً من الانفجار العسكري الذي توقعه الجميع، دخل الطرفان في سباق مع الوقت حيث تريد أمريكا تجنب حرب استنزاف إقليمية قبل انتخاباتها بينما تريد إيران رفع العقوبات وتثبيت مكاسبها الردعية، وبالتالي فإن هذا الاتفاق إن تم لن يكون نهاية الصراع بل إعادة صياغة لقواعده، وهنا تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة أولها سيناريو الاعتراف بالردع حيث تقبل واشنطن ضمنياً بالمنظومة الصاروخية الإيرانية ونفوذها الإقليمي مقابل تجميد مؤقت لأنشطة التخصيب، وهو ما يعني فشلاً استراتيجياً لأهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية، أما السيناريو الثاني فهو الهدنة الهشة حيث يتم تعليق التصعيد العسكري دون حل الملفات الجوهرية مما يبقي المنطقة على صفيح ساخن ويعيد إنتاج الأزمة بشكل دوري، والسيناريو الثالث هو الانسحاب الإسرائيلي القسري حيث قد يشمل الاتفاق التزامات أمريكية بضبط السلوك الإسرائيلي مقابل تهدئة إيرانية، وهو ما يضع تل أبيب أمام خيارات صعبة تتراوح بين القبول الواقعي أو المغامرة الانفرادية.

بالنسبة لإسرائيل التي تعتبر الغريم الذي لا يعترف بأي اتفاق مع إيران، فمن المرجح أن تعمل على نقض اي اتفاق وعرقلة  أي تفاهم عبر تكثيف الاغتيالات والعمليات العسكرية في غزة وجنوب لبنان والضغط على الكونغرس لرفض الاتفاق وإعادة فرض عقوبات مشددة إلى جانب شن حملة إعلامية لتصوير الاتفاق على أنه هزيمة لواشنطن وتل ابيب وانه  يهدد وجود الكيان، وهذا يعني أن جبهة الشرق الأوسط لن تشهد سلاماً حقيقياً بل تحولاً في شكل المواجهة من حرب شاملة إلى حرب ظل أكثر تعقيداً.

و أما دول الخليج التي كانت مجرد حطب في نار واشنطن فستدرك بعد هذا الاتفاق أن أمريكا لم تعد الضامن الامين لأمنها، وبالتالي ستتحرك في ثلاثة اتجاهات متوازية أولها تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين كموازنات استراتيجية، وثانيها استئناف الحوار مع إيران مباشرة لتأمين مصالحها النفطية والأمنية، وثالثها الاستثمار في قدرات ردع ذاتية، وهذا التحول سيغير ميزان القوى الإقليمي بشكل غير مسبوق حيث تصبح الرياض و بعض دول الخليج  اكثر حذرا ولا يكتفون بغطاء أمني واحد في وقت واحد.

والسؤال الأهم: هل ستحتفظ أمريكا بمكانتها ونفوذها كما كانت قبل الحرب؟ الحقيقة أن المواجهة السابقة أثبتت أن أمريكا لم تعد قادرة على فرض إرادتها وحدها، وهذا الاتفاق الحالي هو اعتراف ضمني بتراجع نفوذها، فالعالم يتحرك من قطبية أمريكية إلى تعددية قوى حيث لم تعد قواعدها العسكرية في المنطقة حصوناً منيعة بل نقاط ضعف محتملة يمكن استهدافها بصواريخ إيرانية أو طائرات مسيرة في أي تصعيد مقبل، ولذلك فإن مكانة أمريكا خرجت من هذه المواجهة مهتزة وإن نجت من حرب مفتوحة كانت ستكشف عوراتها أكثر.

أما مضيق هرمز فلن يعود إلى وضعه السابق مهما كانت بنود الاتفاق، لأن إيران اكتسبت قدرة على تعطيل الملاحة بشكل فوري وهذا تحول استراتيجي دائم، كما أن شركات التأمين العالمية باتت تتعامل مع المضيق كمنطقة عالية الخطورة مما سيرفع تكاليف الشحن إلى الأبد، ومع البحث عن ممرات بديلة ، فإن هرمز  بقي شرياناً حيوياً تحت رحمة الإرادة الإيرانية، وهذه حقيقة جديدة على العالم أن يتقبلها بعد أن كسرت إيران شوكة أمريكا وإسرائيل .

وفيما يتعلق  بروسيا والصين بعد الحرب والاتفاق؟ فإنهما سيستثمران  الفراغ الأمريكي لتوسيع وجودها العسكري في الخليج  بالنسبة لروسيا وكذلك في سوريا أو اليمن، بينما ستصبح الصين المستفيد الأكبر عبر شراء النفط الإيراني بخصومات كبيرة وتمويل إعادة الإعمار مقابل تعزيز وجودها الاقتصادي كحامٍ غير رسمي للملاحة، وهذان القطبان الصاعدان سيكون لهما دور في صياغة أي ترتيبات أمنية مستقبلية في المنطقة، مما يضعف النفوذ الغربي عموماً والأمريكي خصوصاً.

أما حلف الناتو الذي  بات متصدعاً بسبب تفرد أمريكا بقراراتها وتخلي الدول عن مساندتها في هذه الحرب، فإن هذه المواجهة كشفت بشكل نهائي أن الناتو لم يعد أداة أمريكية طيّعة، حيث رفضت اغلب الدول  المشاركة في هذه الحرب او استخدام أراضيها كقاعدة لضرب ايران ، فيما تبلور اجماع على تشكيل حلف للتحرر من الغول الامريكي ،  فيما انحازت تركيا بوضوح إلى الجانب الروسي الإيراني في ملفات عدة، وبالتالي ستتحول دول الناتو الأوروبية إلى تعزيز جيوشها الوطنية بدلاً من الاعتماد على المظلة الأمريكية، وهذا يعني أن التصدع داخل الحلف لم يعد مجرد خلاف سياسي بل تحول إلى واقع جيوسياسي جديد.

في الختام، حتى بدون اندلاع حرب شاملة، أنتجت هذه المواجهة حقائق جديدة لا رجعة فيها، فقد ترسخت قناعة أمريكية إسرائيلية باستحالة الحسم العسكري ضد إيران، وظهرت طهران كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات أمنية، وماتت أحلام تغيير النظام من الخارج بشكل نهائي، وولد نظام عالمي متعدد الأقطاب فيه واشنطن لاعب مهم لكنه لم يعد الوحيد، والعالم لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب وهذا الاتفاق الحالي ليس نهاية التاريخ بل بداية مرحلة جديدة من الصراع المحكوم بمعادلات الردع لا الحسم، فإيران أثبتت أن الردع متعدد الأبعاد عسكرياً واقتصادياً وشعبياً يمكن أن يوقف أقوى آلة حربية في التاريخ، والسؤال الآن ليس ما إذا كانت أمريكا وإسرائيل ستقبلان هذا الواقع، بل ما إذا كانت الحرب المؤجلة لا تزال كامنة في تفاصيل الاتفاق أم أن الأيام القادمة ستثبت أن المنطقة دخلت فعلاً في منطق جديد مختلف.

المصدر / فلسطين أون لاين