لم تكن الشابة مريم عبد ربه (23 عاماً) تظن أن الحرب قادرة على انتزاع ما تبقى لها من قدرة على الاحتمال، وهي التي ظنت طوال سنواتها الماضية أنها جَرعت من المرار والوجع كفايته.
فقبل خمس سنوات، وهي في مقتبل عمرها الغض، بتر السرطان قدمها، لتخوض معركة ضارية ومبكرة مع الألم والكيماوي وأروقة المستشفيات، حتى تروّضت أخيراً على التعايش مع جسدٍ منقوص، وروحٍ تقاوم وطأة العجز، وتصارع من أجل النجاة كل يوم.
طوال تلك السنوات العجاف، كان هناك سرٌ واحد وراء صمود مريم وقدرتها على الابتسام في وجه المرض؛ وجود والدها إلى جانبها. لم يكن مجرد أب، بل كان عكازها وملاذها الآمن وطبيبه النفسي. كان يمسك بيدها في ممرات المشافي الطويلة، ويرافقها في رحلات العلاج والتحويلات الطبية الصعبة خارج القطاع وداخله، يحمل عنها حقيبتها الصغيرة، ويسند جسدها المتعب كلما خانتها قواها أو أثقلتها نظرات الشفقة من الآخرين. لقد كان، باختصار، ساقها الأخرى التي تتكئ عليها في مواجهة الحياة.
بصوتٍ يتهدج بكاءً ويثقله تعب السنين المكدسة في شهور الحرب، تقول مريم لصحيفة "فلسطين": "كنت قادرة على تحمل مرض السرطان وبتر قدمي لأن أبي كان معي.. كان يهمس في أذني دائماً: (أنتِ قوية يا مريم)، فكان يهوّن عليّ كل ثقيل. غيابه لم يكن مجرد غياب، لقد كان صدمة العمر التي قصمت ظهري".
لكن الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة جاءت لتهدم ما تبقى للشابة من أمان هشة. ففي غارة جوية غادرة استهدفت مربعاً سكنياً، استشهد والدها فجأة ودون وداع. في تلك اللحظة الرهيبة، شعرت مريم وكأن البتر أصاب جسدها مجدداً، لكنه هذه المرة لم يستهدف أطرافها أو عظامها، بل طعن قلبها في الصميم، تاركاً إياها في عراء الفقد بلا سند ولا معيل.
ومع غياب الأب السند، وفي ظل القصف العشوائي المستمر، بدأت رحلة النزوح المريرة. وجدت مريم نفسها مجبرة على الفرار بجسدها المنهك وأطرافها المبتورة. استقر بها الحال اليوم داخل خيمة ضيقة ومتهالكة، تتقاسمها مع جدتها المسنة التي نخر المرض عظامها، ومجموعة كبيرة من أفراد العائلة، معظمهم من الأطفال الأيتام الذين فقدوا آباءهم في هذه الحرب الضروس، ليصبحوا جميعاً معلقين في حبال المجهول.
في كل محطة نزوح جديدة، كانت القسوة تزداد، والظروف المعيشية في قطاع غزة تتدهور إلى مستويات غير بشرية. الطرقات الرملية الوعرة بين مخيمات النازحين تحولت إلى عائق لا يمكن لمريم عبوره بكرسيها المتحرك أو عكازها البدائي. طوابير الانتظار الطويلة من أجل الحصول على لتر ماء غير صالح للشرب أو وجبة طعام شحيحة، وانعدام الرعاية الطبية، والرطوبة العالية والحرارة الخانقة التي تتسلل نهاراً عبر قماش الخيمة لتبتلع الأنفاس، كلها عوامل تضافرت لتعيد إلى جسد مريم آلام السرطان القديمة.
وتصف مريم واقعها المرير داخل الخيمة قائلة: "الحياة في الخيام قطعة من العذاب اللامتناهي لشخص في حالتي. الرطوبة والرمال يتعبان موضع البتر بشكل لا يطاق. ومن شدة الوجع أحياناً، أشعر أني لم أعد أملك جسدي، كل آلام المرض وعذابات الكيماوي عادت وبقوة، لكن هذه المرة بلا أدوية، بلا مسكنات، وبلا مستشفيات تستقبلنا".
تتحمل الجدة المسنة بقلبها المفطور عبء الرعاية النفسية لهؤلاء الأيتام، لكنها تقف عاجزة أمام متطلبات مريم الطبية والجسدية. وداخل الخيمة الضيقة، تبدو الحياة باهتة وخالية من المعنى؛ فالصوت الذي كان يمد الشابة المبتورة بالقوة غاب، واليد التي كانت تنتشلها من يأسها سقطت شهيدة. تلتفت يميناً فترى عيون الأطفال الأيتام تملؤها الدموع والخوف من القصف، وتلتفت يساراً فترى وجه جدتها المتعب، لتجد نفسها محاصرة بين حزنها الشخصي ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه عائلة باتت بلا رجال.
اليوم، وفي ظل المجاعة التي تضرب أطنابها في غزة، وانعدام أبسط مقومات الحياة الآدمية، لا تطلب مريم المستحيل، ولا تبحث عن رفاهية؛ كل ما تتمناه وسط هذا الخراب هو الحصول على "طرف صناعي" متطور يناسب حالتها الطبية، يعيد إليها جزءاً من حريتها المفقودة واستقلاليتها الجسدية. تتمنى مريم أن تتمكن من قضاء شؤونها بنفسها، ومساعدة جدتها في العناية بالأطفال الأيتام، والتنقل بين الخيام دون أن تشعر بأنها باتت عبئاً ثقيلاً على كاهل عائلتها المنهكة أساساً.
وتختم مريم حديثها بنبرة مكسورة وعينين ترنوان نحو أفق مجهول: "أريد فقط أن أتحرك وحدي.. أن أساعد نفسي قليلًا وأحمل عن جدتي بعض التعب. بعد رحيل أبي، شعرت أن الحياة انتهت، والطرف الصناعي هو محاولتي الأخيرة لأقول لنفسي إنني ما زلت على قيد الحياة".
في غزة، لا تكتفي الحرب بهدم البيوت وبتر الأجساد وتحويل المدن إلى ركام، بل تذهب إلى ما هو أعمق وأقسى؛ تنتزع من الضحايا والناجين أولئك الأشخاص الذين كانوا يمثلون لهم الدافع الوحيد والركيزة الأساسية للاستمرار على قيد الحياة، تاركةً إياهم يواجهون الموت البطيء في خيام العراء بقلوبٍ مبتورة وأجسادٍ مثخنة بالجراح.

