فلسطين أون لاين

بين بتر القدم وفقد الابن.. هناء تحاول الوقوف من جديد

...
سيدة تجلس على سرير المرض مبتورة القدم جرّاء الحرب على غزة (أرشيف)
غزة/ هدى الدلو:

في ليلةٍ ثقيلةٍ بالخوف، كانت هناء محمود، الأم البالغة من العمر 39 عامًا، تحاول أن تفعل ما تفعله كل أم في غزة؛ أن تصنع لأطفالها وهمًا صغيرًا بالأمان وسط الحرب. داخل منزلها في مخيم البريج، كانت تحاول أن تخفف عن أبنائها الثلاثة قسوة أخبار النزوح والتشرد، وأن تُقنعهم بأن الليل سيمرّ بسلام، بالرغم من أصوات الطائرات التي لم تكن تغادر السماء.

لكن عند الساعة الواحدة بعد منتصف ليل الرابع عشر من حزيران/يونيو 2024، انتهى كل شيء دفعةً واحدة، صاروخان أطلقتهما طائرات الاحتلال الإسرائيلي سقطا على المنزل، فتحول البيت الذي احتمت به العائلة إلى ركامٍ من الدم والنار والصراخ. لم يكن هناك وقت للنجاة، ولا فرصة للفهم.

تقول هناء لصحيفة "فلسطين" بصوتٍ يختلط فيه الذهول بالألم: "لم أَعِ ما حدث منذ لحظة الاستهداف، غبت عن الوعي بالكامل، لم أعرف من فقدت ومن أُصيب، لم أستطع أن أتفقد أبنائي أو أن أنقذهم".

تحت الأنقاض

تتوقف قليلًا، وكأنها ما زالت تحاول استيعاب تلك اللحظة، ثم تكمل: "لم أستيقظ إلا في صباح اليوم التالي بعدما خرجت من غرفة العمليات، أول ما فعلته أنني بدأت أسأل عن أبنائي الثلاثة، أنطق أسماءهم واحدًا تلو الآخر، أحاول أن أعرف ماذا حدث لهم".

كانت تبحث عنهم بعيني أمٍّ نجت بجسدها، لكنها خسرت قلبها تحت الأنقاض، فحاول أقاربها التمهيد للحقيقة الثقيلة، لكن الكلمات كانت أقسى من الاحتمال، ابنها عبد الرحمن، ذو الأعوام العشرة، استشهد، أما طفلاها الآخران فقد خرجا من تحت الركام بإصابات بالغة؛ أحدهما دخل في غيبوبة استمرت عشرة أيام، والثاني تعرض لكسور في ساقه، فيما أصيب زوجها أيضًا.

أما هناء نفسها، فلم تكن تعلم بعد أن حياتها لن تعود كما كانت، مضيفة: "حين بدأت أستوعب إصابتي، شعرت أنني فقدت جزءًا مني، قدمي اليسرى بُتر نصفها، واليمنى امتلأت بالكسور واضطر الأطباء لتركيب بلاتين فيها، إضافة إلى الحروق المنتشرة في جسدي".

فلم يكن الألم الجسدي وحده ما ينهشها، بل العجز أيضًا. ففي ذلك الوقت، كانت المجاعة تضرب قطاع غزة بقسوة، والغذاء الضروري لالتئام الجروح وجبر الكسور شبه معدوم، "حتى العلاج كان ناقصًا، والطعام الصحي غير متوفر، وكأن الحرب لا تكتفي بإصابتنا بل تمنعنا حتى من التعافي"، وفق حديثها.

أربعة أشهر كاملة قضتها داخل المستشفى، لم تخطُ خلالها خطوة واحدة. كانت مستلقية بين وجعين؛ وجع الفقد الذي لا يُحتمل، ووجع البتر الذي يلاحقها كلما نظرت إلى جسدها.

وتكمل هناء: "كنت أشعر أن حياتي توقفت، لا أستطيع الحركة، ولا أستطيع حتى البكاء كما أريد، كنت أفكر فقط بابني الشهيد، وبأطفالي المصابين، وأسأل نفسي كيف سأعود أمًا كما كنت".

رحلة علاج طويلة

بعد رحلة العلاج الطويلة، بدأت مرحلة جديدة أكثر قسوة؛ جلسات العلاج الطبيعي، ومحاولة التعايش مع الطرف المبتور، وتعلّم كيفية الوقوف مجددًا، وكيف تعود لممارسة أبسط تفاصيل الحياة داخل البيت.

لكن الإصابة لم تتركها وشأنها، فهناء امرأة عاملة في إحدى الوزارات الحكومية، وكانت قبل الحرب تعيش حياة بسيطة مستقرة نسبيًا، تذهب إلى عملها وتعتني بأسرتها، أما اليوم، فهي عاجزة عن العودة إلى وظيفتها بسبب إصابتها وصعوبة المواصلات وظروف الحياة المنهكة في القطاع.

وتتابع بحسرة: "أشعر أنني فقدت أشياء كثيرة دفعة واحدة؛ ابني، صحتي، عملي، وحتى قدرتي على الحركة بحرية".

ورغم كل ذلك، لا تزال تحاول التمسك بالحياة. تنتظر دورها للسفر للعلاج وتركيب طرف صناعي، على أمل أن تتمكن من المشي مجددًا، وأن تستعيد شيئًا من استقلالها التي سرقتها الحرب.

تختم هناء حديثها بنبرة متعبة: "لا أريد أكثر من أن أعيش حياة طبيعية، أن أستطيع المشي، وأن أخدم أطفالي، الحرب أخذت منا الكثير، لكننا ما زلنا نحاول أن نعيش".

المصدر / فلسطين أون لاين