مع تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار العدوانات الإسرائيلية والأمريكية على إيران ولبنان وغزة وانعكاساتها على الشرق الأوسط والعالم، تتكثف اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى ضمن سياق يبدو أبعد من كونه أحداثا ميدانية متفرقة، ليعكس توجها منظما نحو فرض وقائع جديدة على الأرض. هذه الاقتحامات، التي تجري تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، لم تعد مجرد استعراض قوة، بل تحولت إلى أداة سياسية وأمنية تسعى من خلالها دولة الاحتلال إلى إعادة تشكيل الوضع القائم في الأقصى تدريجيا.
ويرى خبيران تحدثا لـ "فلسطين أون لاين" أن ما يجري من اقتحامات للمسجد الأقصى يرتبط بمحاولة استغلال الانشغال الإقليمي والدولي بأزمات أخرى، لتمرير تغييرات حساسة في واحدة من أكثر القضايا اشتعالا، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة قد تمتد إلى ما هو أبعد من القدس.
تغيير هوية المكان
يقول الخبير في شؤون القدس حسن خاطر إن "ما يجري في المسجد الأقصى لم يعد مجرد اقتحامات اعتيادية، بل هو جزء من مشروع متكامل يستهدف تغيير هوية المكان وفرض سيادة إسرائيلية كاملة عليه بشكل تدريجي ومدروس".
ويضيف أن "هذه الاقتحامات تُنفذ ضمن خطة زمنية واضحة، تتصاعد من حيث العدد والنوعية، وتشمل إدخال طقوس دينية يهودية بشكل علني، في محاولة لفرض تقسيم زماني ومكاني للأقصى".

الخبير في شؤون القدس، حسن خاطر
ويؤكد خاطر أن "الهدف الحقيقي من هذه الاقتحامات هو كسر الحاجز النفسي والسياسي، وإعادة تعريف الأقصى في الوعي الدولي كمساحة قابلة للتقاسم، وليس كمسجد إسلامي خالص"، مشددا على أن "الاحتلال يستفيد من تراجع الردود العربية والإسلامية، ومن حالة الانشغال الإقليمي، لتمرير هذه المخططات دون تكلفة سياسية كبيرة".
وعن دور المقدسيين، يقول خاطر: "المقدسيون يشكلون خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، وهم يتصدون لهذه الاقتحامات بكل ما يملكون من أدوات، سواء من خلال الرباط داخل المسجد، أو الحضور المكثف، أو المواجهة الشعبية التي تحاول إفشال هذه المخططات". ويضيف: "رغم القمع الشديد والإجراءات الأمنية، فإن إرادة المقدسيين لا تزال صلبة، وهم يدركون أن أي تراجع يعني فتح الباب أمام تغييرات خطيرة لا يمكن التراجع عنها".
اقرأ أيضًا: تحذيراتٌ من خطورة دعوات "جماعات الهيكل" لاقتحام المسجد الأقصى
ويشير إلى أن "ما هو مطلوب فلسطينيا هو توحيد الموقف السياسي والميداني، ووضع قضية الأقصى على رأس الأولويات الوطنية، وعدم التعامل معها كملف ثانوي"، مؤكدا أن "الانقسام الفلسطيني يضعف القدرة على المواجهة، ويمنح الاحتلال مساحة أوسع للمناورة".
أما عربيا، فيقول خاطر: "هناك حاجة ملحة لتحرك عربي حقيقي يتجاوز بيانات الشجب والإدانة، ويصل إلى خطوات عملية تضغط على الاحتلال، سواء عبر الأدوات الدبلوماسية أو الاقتصادية". ويضيف: "المسجد الأقصى ليس قضية فلسطينية فقط، بل هو قضية عربية وإسلامية، وأي مساس به سيشعل المنطقة بأكملها".
ويختتم قائلا: "إذا استمرت هذه الاقتحامات دون ردع حقيقي، فإننا سنكون أمام واقع جديد يُفرض بالقوة، وسيكون من الصعب جدا تغييره مستقبلا".
استغلال الاضطراب الإقليمي
من ناحيته، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي وديع أبو نصار أن "اقتحامات المسجد الأقصى لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي العام، حيث تحاول دولة الاحتلال استغلال حالة الاضطراب والانشغال الدولي بأزمات متعددة لتمرير سياسات حساسة في القدس".

الخبير في الشأن الإسرائيلي، وديع أبو نصار
ويقول: "إسرائيل تدرك أن اللحظة الإقليمية الراهنة تمنحها هامشا أوسع للتحرك، في ظل تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية".
ويضيف أن "حكومة الاحتلال الحالية، بقيادة بنيامين نتنياهو، تعتمد بشكل كبير على دعم التيارات اليمينية والدينية المتطرفة، التي تضع قضية الأقصى في صلب أجندتها السياسية"، مشيرا إلى أن "هذه الحكومة لا تكتفي بتوفير الحماية للمقتحمين، بل تمنحهم غطاء سياسيا وقانونيا يشجعهم على المضي قدما في مخططاتهم".
ويؤكد أبو نصار أن "وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يلعب دورا محوريا في هذا السياق، حيث يعمل بشكل مباشر على تشجيع الاقتحامات، ويدفع نحو تكريس ما يسميه (حرية العبادة لليهود) في الأقصى، وهو ما يشكل تغييرا جذريا في الوضع القائم". ويضيف: "بن غفير لا يخفي أهدافه، بل يعلنها صراحة، مستندا إلى دعم داخل الحكومة، ما يجعل هذه السياسات أكثر خطورة".
ويتابع: "هناك محاولة إسرائيلية واضحة لفرض أمر واقع جديد في المسجد الأقصى، يبدأ بتكثيف الاقتحامات، ثم إدخال الطقوس الدينية، وصولا إلى تقسيم فعلي للمكان"، مشددا على أن "هذه الخطوات تُنفذ بشكل تدريجي لتجنب ردود فعل كبيرة، لكنها في مجموعها تشكل تغييرا استراتيجيا".
ويرى أبو نصار أن "الانشغال العربي والدولي بملفات أخرى، مثل الأزمات الإقليمية والصراعات الجيوسياسية، يمنح إسرائيل فرصة ذهبية للتحرك دون ضغوط حقيقية"، مضيفا: "كلما طال هذا الانشغال، زادت قدرة إسرائيل على ترسيخ هذه الوقائع".
ويختتم قائلا: "إذا لم يكن هناك تحرك جدي على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي، فإن إسرائيل ستواصل هذه السياسة حتى تصل إلى مرحلة يصبح فيها التراجع مستحيلا، ويصبح الواقع الجديد أمرا مفروضا لا يمكن تغييره بسهولة".

