على كرسي متحرك، وبجسد أنهكه النزيف والوجع، يخوض الطفل وليد أبو مصطفى (10 أعوام) معركة يومية قاسية مع مرض “الهيموفيليا”، الذي رافقه منذ شهره الأول، قبل أن تضاعف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة معاناته وتحوله من طفل يحاول التعايش مع المرض إلى حالة صحية مهددة بالتدهور في أي لحظة، وسط غياب العلاج ونقص الإمكانيات الطبية.
ورغم إصابته بالمرض المزمن، كان وليد يتلقى علاجه بانتظام في مستشفيات الداخل المحتل، ووصل إلى مرحلة من الاستقرار الصحي مكّنته من التعايش مع حالته وممارسة حياته بشكل مقبول.
الحرب قلبت كل شيء
النزوح المتكرر، وانقطاع الدواء، وتدهور المنظومة الصحية في غزة، دفعت حالته إلى التراجع بشكل خطير، وفق ما تؤكد والدته كاملة جودة لصحيفة “فلسطين”.
وتقول الأم، بصوت يثقله القهر: “وليد هو ابني الذكر الوحيد، وله ثلاث شقيقات. اكتشفنا إصابته منذ الشهر الأول لولادته، وحرصنا على رعايته بشكل خاص، وكنا نسافر باستمرار لتلقي العلاج في الداخل المحتل. كان وضعه مستقراً نسبياً، أما اليوم فهو يذبل أمام عيني دون أن أستطيع مساعدته”.
وتوضح أن أوضاع مرضى “الهيموفيليا” في قطاع غزة وصلت إلى مرحلة حرجة، في ظل انقطاع العلاج اللازم من المستشفيات، مشيرة إلى أن المرضى وعائلاتهم نظموا اعتصاماً في مستشفى ناصر للمطالبة بإنقاذهم وتوفير العلاج، “لكن دون أي استجابة”.
ويعاني وليد حالياً من نزيف حاد في مفصل الركبة اليمنى، ما أفقده القدرة على الوقوف أو المشي، وأجبره على استخدام كرسي متحرك بشكل دائم.
وتقول والدته: “تعرضنا لفترات طويلة من انقطاع العلاج خلال الحرب، خاصة بعد استهداف الاحتلال للمستشفى الأوروبي في رفح”.
ومؤخراً، ازداد وضع الطفل سوءاً بسبب الانقطاع المتكرر للعلاج، وعدم انتظام الجرعات، الأمر الذي أثر على استجابة جسده للدواء.
عجز عن المشي
وتوضح والدته: “الانقطاع المتكرر للجرعات اليومية، ثم إعطاؤه جرعات مضاعفة أحياناً، تسبب في تكوين أجسام مضادة ضد العلاج، وأصبح جسده لا يستجيب له كما في السابق”.
وتشير إلى أن المستشفى أبلغهم بعدم قدرته على تحمل مسؤولية مرضى “الهيموفيليا” في ظل غياب العلاج أو أي بدائل متاحة، مضيفة أن حتى الفحوصات والتحاليل اللازمة لتقييم حالة وليد الصحية لم تعد متوفرة.
وتتابع بحسرة: “قبل عدة أشهر كان يمشي على قدميه، أما اليوم فهو عاجز تماماً عن المشي. لدينا تحويلة علاجية مستعجلة للخارج، لكن لم يتم التواصل معنا حتى الآن، ونخشى أن يمتد النزيف إلى مفصل قدمه اليسرى”.
ولا تتوقف معاناة وليد عند فقدان القدرة على الحركة، إذ يعاني أيضاً من صعوبة في النطق، ويحتاج إلى علاج طبيعي متخصص للفم خارج قطاع غزة، لأن أي تدخل خاطئ قد يؤدي إلى نزيف خطير.
وتقول والدته: “هو محروم من اللعب والدراسة والاندماج مع أقرانه، وحتى شهيته للطعام فقدها بسبب النزيف المستمر”.
وتقف الظروف الاقتصادية الصعبة عائقاً إضافياً أمام الأسرة، التي تعجز عن توفير الغذاء الصحي اللازم لتقوية جسم الطفل ودمه، فيما يحتاج وليد إلى البقاء مستلقياً معظم الوقت، مع رفع قدميه على وسادة، لأن الجلوس الطويل على الكرسي المتحرك يزيد من معاناته الصحية.
وتوضح والدته أن دواء “الهيموفيليا” غير متوفر في الصيدليات، إذ يحتاج إلى ظروف تبريد خاصة داخل المستشفيات، في وقت تعاني فيه المرافق الطبية من انهيار حاد ونقص في الإمكانيات.
وتختتم حديثها بالقول: “وضع ابني لا يحتمل مزيداً من التأخير، حالته قد تتدهور في أي لحظة، وكل يوم يمرّ بلا علاج يسرق جزءاً جديداً من حياته”.

