فلسطين أون لاين

تقرير خرج لجلب شوادر النزوح فاختفى في طريق العودة إلى البيت

...
الحاج جميل عباس
غزة/ مريم الشوبكي:

في الحروب، لا تنتهي المأساة عند الموت وحده، بل تمتد إلى مساحة أكثر قسوة، حيث يعلق الإنسان بين الفقد والرجاء، بلا قبر يُزار ولا يقين يُطفئ الانتظار. إنهم المفقودون؛ أولئك الذين ابتلعتهم طرق النزوح أو ركام البيوت أو لحظات النجاة المجهضة، تاركين خلفهم عائلات تتأرجح بين الأمل والانكسار، وسؤال واحد يتكرر بلا إجابة: أين هم؟

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، سُجلت آلاف حالات الفقدان، انتهى بعضها بالعثور على أصحابها شهداء تحت الأنقاض، فيما بقيت حالات أخرى مفتوحة حتى اليوم، بلا دليل أو أثر أو خبر.

ومن بين هذه الحالات، يبرز اسم الحاج جميل عباس (67 عاماً)، واحد من أولئك الذين خرجوا لقضاء مهمة عائلية بسيطة، ولم يعودوا.

كانت عائلته قد نزحت من منزلها في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة إلى دير البلح وسط القطاع، هرباً من العمليات العسكرية التي طالت المنطقة آنذاك، واستقرت هناك في ظروف قاسية تحاول فيها تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وفي صباح يوم الاثنين 15 أيلول/سبتمبر 2025، غادر الحاج جميل محمد عباس منطقة أرض الشنطي متوجهاً إلى شارع أحمد ياسين في مدينة غزة، قاصداً منزل العائلة في حي الشيخ رضوان، لجلب شوادر ومستلزمات تُعين أسرته النازحة على إقامة خيام تؤويهم في ظل ظروف النزوح الصعبة.

وبالرغم من تحذيرات من التقى بهم في الطريق من خطورة المنطقة، أصرّ على مواصلة سيره، قبل أن ينقطع الاتصال به بعد ساعات من خروجه.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتمكن العائلة من الحصول على أي معلومة مؤكدة عن مصيره، ليبقى اسمه حتى اليوم ضمن قوائم المفقودين في قطاع غزة.

يقول نجله محمد عباس إن والده كان معهم في دير البلح، لكنه أصرّ على العودة إلى غزة لإحضار احتياجات ضرورية للعائلة، وعلى رأسها الشوادر التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، إذ وصل ثمن الشادر الواحد إلى ما بين 700 و800 شيكل.

ويضيف لصحيفة "فلسطين": “ذهب والدي ليجلب شوادر لنقيم خياماً لنا في دير البلح، ورغم محاولتنا منعه، أصرّ على الذهاب وقال إنه سيعود”.

في ذلك اليوم، خرج الحاج جميل قرابة الساعة التاسعة صباحاً باتجاه منزل العائلة في شارع الثلاثيني بمنطقة الشيخ رضوان.

ويؤكد نجله أن التواصل معه استمر حتى نحو الساعة الثانية ظهراً، قبل أن ينقطع بشكل مفاجئ، رغم أن هاتفه ظل يرن لنحو يوم ونصف قبل أن تنفد بطاريته.

ولم يكن انقطاع الاتصال وحده ما أثار القلق، إذ أفاد شهود بأنهم رأوه أثناء مروره في شارع الثلاثيني، حيث نصحه بعضهم بعدم مواصلة الطريق بسبب خطورته.

ويقول محمد: “أخبره الناس أن المنطقة خطيرة، لكنه قال: العمر واحد والحياة واحدة، ثم أكمل طريقه”.

كانت تلك آخر مرة يُشاهد فيها الحاج جميل حياً.

لاحقاً، بدأت العائلة بجمع روايات متفرقة عن مصيره، من بينها معلومات غير مؤكدة تفيد بأن غارة استهدفت المنطقة التي كان يتواجد فيها، ما أدى إلى انهيار أحد المباني.

ويضيف محمد: “وصلتنا معلومات أن طائرة استهدفت المكان وأن عمارة انهارت هناك، لكننا لم نستطع التأكد”.

ومع فتح الطرق لاحقاً، عاد نجله إلى المكان نفسه بحثاً عنه، متنقلاً بين الركام والأبنية المدمرة، رافعاً ألواح الصفيح والشوادر والنايلون، بحثاً عن أي أثر يدل عليه.

لكن كل ذلك لم يُسفر عن شيء.

ويقول: “ذهبت بنفسي إلى المكان، وبدأت أبحث بين الأنقاض، رفعت الصاج والنايلون والشوادر، لكنني لم أعثر عليه، ولم أجد أي أثر من ملابسه أو متعلقاته”.

ويشير إلى أن عمليات البحث كانت شبه مستحيلة في ذلك الوقت، بفعل ضخامة الركام وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.

كما أبلغت العائلة الجهات المختصة والصليب الأحمر بحالة الفقدان، دون أن تتلقى أي نتيجة حتى اليوم.

ويضيف: “لا نعرف إن كان حياً أم شهيداً… لم نصل إلى أي معلومة عنه”.

ويؤكد أن المنطقة التي فُقد فيها كانت شديدة الخطورة، ولا يمكن دخولها آنذاك بسبب الاستهدافات المتكررة.

ورغم مرور الوقت، ما زالت العائلة تعيش حالة انتظار معلّقة بين الاحتمالين.

لا قبر يزوره ذوو الحاج جميل، ولا يقين يخفف وطأة الغياب.

فالرجل الذي خرج بحثاً عن شوادر تؤوي عائلته النازحة، تحوّل إلى اسم جديد في سجل المفقودين المفتوح في غزة.

وبين الركام وشارع الثلاثيني، يبقى السؤال معلقاً منذ ذلك اليوم: أين ذهب جميل عباس

المصدر / فلسطين أون لاين