فلسطين أون لاين

"الشهيد الحي".. محمد النواجحة يعود للحياة من بين أكياس الشهداء

...
محمد النواجحة
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

لم يكن الفلسطيني محمد النواجحة يتوقع أن رحلة عودته إلى منزله في حي تل السلطان غرب رفح لجلب بعض الأمتعة ستتحول إلى فصل مأساوي بين الحياة والموت، بعدما اعتقد الجميع أنه استشهد في غارة إسرائيلية، قبل أن يعود إلى الحياة من داخل كيس كُتب عليه “شهيد مجهول الهوية”.

النواجحة، الذي نزح خلال الحرب أكثر من خمس مرات، كان قد عاد إلى منطقة تل السلطان ليجلب بعض الاحتياجات البسيطة لعائلته، بعدما وجد نفسه يعيش داخل خيمة بلا أي مقومات للحياة.

يقول بصوت متعب لصحيفة فلسطين: “ما كان عندي فراش ولا مخدات ولا حتى أبسط الأشياء، رجعت أجيب بعض الأغراض، وفجأة تم قصف المكان بشكل مباشر”.

الغارة الإسرائيلية تسببت بإصابات بالغة له، أبرزها بتر كامل ليده اليسرى من أعلى الكوع، إلى جانب كسور خطيرة في ساقه اليمنى استدعت تركيب صفائح داخلية وخارجية، فضلاً عن شظايا استقرت في ظهره ورأسه وفخذه الأيسر.

ورغم نجاته، لا يزال الألم يرافقه ليلًا ونهارًا، يقول: “عملية البتر كانت صعبة جدًا، واليد المبتورة ما زالت تؤلمني طوال الوقت، حتى المسكنات لا تخفف الوجع”.

لكن القصة الأكثر صدمة بدأت بعد نقله من مكان القصف إلى مستشفى الصليب الأحمر الميداني غرب رفح، حيث وصل فاقدًا للوعي وغارقًا بدمائه، ليعتقد الطاقم الطبي أنه فارق الحياة.

يستعيد النواجحة تلك اللحظات قائلاً: “تم وضعي داخل كيس للشهداء وكُتب عليه شهيد مجهول الهوية، وبقيت داخل الثلاجة حوالي ثماني ساعات، بينما كانت عائلتي تبحث عني من مستشفى إلى آخر”.

وخلال التحضير لنقله إلى مستشفى ناصر الطبي لاستكمال إجراءات الدفن، لاحظ الطاقم الطبي حركة خفيفة وانتفاخًا داخل الكيس، عندها سارع الأطباء إلى فتحه، ليُفاجؤوا بأنه لا يزال يتنفس.

“قالوا: هذا الرجل ما زال حيًا”، يروي محمد، قبل أن تبدأ رحلة طويلة من العمليات الجراحية والعلاج المكثف.

خضع النواجحة لما لا يقل عن 14 عملية جراحية وُصفت بالخطيرة، في محاولة لإنقاذ حياته وساقه اليمنى التي كانت مهددة بالبتر الكامل، ورغم كل ذلك، يعتبر نفسه “مولودًا من جديد”، بعدما نجا بأعجوبة من الموت.

لكن نجاته لم تنه معاناته، إذ يعيش اليوم داخل خيمة مهترئة مع زوجته وأطفاله الثلاثة، في ظروف إنسانية قاسية، بينما ينتظر منذ سبعة أشهر السماح له بالسفر للعلاج في الخارج بعد حصوله على تحويلة طبية.

ويقول إنه يحاول التكيف مع حياته الجديدة رغم فقدانه ليده، موضحًا أنه يشارك عائلته تفاصيل الحياة اليومية الشاقة داخل النزوح، من جمع الحطب وإشعال النار إلى تعبئة المياه ونقلها، مضيفًا: “أحاول أعمل كل شيء بإيد واحدة حتى ما أحسس أولادي إني عاجز”.

ويؤكد أن زوجته كانت السند الأكبر له خلال رحلة العلاج الطويلة، قائلاً: “تعبت معي كثير، من المستشفيات إلى الاستحمام والعناية اليومية، وما قصرت معي أبدًا”.

ورغم الألم والجوع والنزوح المتكرر، يتمسك النواجحة بالأمل في السفر وتركيب طرف صناعي يساعده على استعادة جزء من حياته التي سلبتها الحرب، فيما يصف نفسه اليوم بـ”الشهيد الحي”، بعدما عاد من بين أكياس الموتى إلى حياة مليئة بالوجع والانتظار.

0b3d2ccd-ed51-488b-9dd8-7a6ef9a70af7.jfif
 

المصدر / فلسطين أون لاين