فلسطين أون لاين

الأرض المدمرة تحولت إلى بيئة قتال معقدة

صمود المقاومة بشمال غزة.. "كمائن موت" استنزفت الاحتلال وأدخلته بمتاهة دائرية

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على مدار عامي الإبادة، لم تتوقف ضربات المقاومة في شمال قطاع غزة من استهداف آليات جيش الاحتلال وتفجيرها وقنص جنوده عبر "كمائن الموت" التي حولت خلالها الركام والدمار لبيئة قتال معقدة أدخلت جيش الاحتلال في متاهة دائرية جعلته يعود للمنطقة نفسها التي كان يعلن فيها القضاء على المقاومة، ما أفقده المصداقية لدى المجتمع الإسرائيلي بعدما تحدثت وسائل الإعلام العبرية عن هذا التناقض.

وبالرغم من الحصار والإبادة والنقص الحاد في الغذاء، سطر المقاومون ملاحم بطولية أوقعت خسائر كبيرة في قوات وآليات جيش الاحتلال، وتصدوا لثلاث عمليات عسكرية أطلق الاحتلال عليها "عربات جدعون 1، 2" وخطة الجنرالات.

ورغم الضربات القاسية التي أصابات المقاومة وكوادرها، يؤكد الكاتب والناشط السياسي إبراهيم مسلم أن المقاومة أثبتت قدرتها على الصمود أمام آلة عسكرية متطورة ومدعومة أمريكيا وغربيا، ونجحت في الحفاظ على بنيتها الأساسية، كما واصلت تكتيكاتها العسكرية من أنفاق وعبوات وغيرها، وأجبرت الاحتلال على دفع خسائر بشرية وعسكرية كبيرة.

وقال مسلم لصحيفة "فلسطين": "بعد مرور أشهر طويلة على حرب الإبادة غير المسبوقة والتطهير العرقي في قطاع غزة، واضح أن حكومة بنيامين نتنياهو فشلت في تحقيق الأهداف الإستراتيجية المعلنة لهذه الحرب، بما فيها النصر المطلق الذي لطالما كرره نتنياهو على غرار استخدام كل أدوات القتل والتدمير والإبادة الجماعية في محاولة الوصول إلى هذه الأهداف".

حصار وجوع

شسيسي1-1714464721.webp
 

وأضاف مسلم الذي عايش النزوح والمجاعة في محافظة شمال القطاع، أن المقاومين الذين صمدوا بشمال القطاع خاصة خلال عملية "عربات جدعون" التي جرى محاصرتهم لثلاثة أشهر، والتي كانت من أشد الفترات قسوة خاصة مع نقص الغذاء، وتزامنت مع بطولات نفذتها المقاومة، إذ تعامل المقاومون مع نقص الغذاء بتقليل الاستخدام، أو العثور عليها في بيوت نازحين تركوها لهم كنوع من "الكرامات" والتي كانت تعزز صمودهم، أو ما يعثرون عليه من طعام يتركه جيش الاحتلال.

ولفت إلى أن المقاومين حاولوا تأمين بعض الأغذية من بعض المزارع التي كانت متروكة لفترة طويلة والاستفادة من بعض المزروعات، مؤكدا، أن من أهم عوامل النجاح الأسطوري لصمود المقاومة أنهم تدربوا سابقا على هذه الظروف مثل حرب الشوارع واستنزاف العدو.

وأكد أن الإيمان والعقيدة القتالية للمقاومين كان جزء كبير من هذه البطولة والبسالة وأدى لطول لاستمرار القتال رغم ما تعرضوا له من إبادة وحصار، ونجح المقاومون في إدارة "حرب العصابات"، ونفذوا الكثير من العمليات النوعية بالدخول لأماكن تمركز الدبابات ووضع العبوات، إضافة للانقضاض على بعض الجنود من مسافة صفر، مستفيدين من معرفتهم بتضاريس الأرض.

ونجحت المقاومة، وفق مسلم، بتنفيذ ضربات مؤلمة للاحتلال بالاعتماد على الكمائن والضربات السريعة التي نفذتها المجموعات التي بقيت بشمال غزة، لافتا، أن المقاومة نفذت عمليات دقيقة مصورة هزت صورة جيش الاحتلال، مما يعكس مستوى مرتفعا من الإصرار القتالي الذي فاجأ المتابعين والاحتلال، جرى خلالها إيقاع خسائر بشرية بالآليات وجنود جيش الاحتلال.

في حين أكد مصدر أمني طلب عدم الكشف عن هويته، انه رغم الصدمة التي تعرضت لها استطاعت المقاومة استنزاف الاحتلال عسكريا مع الحفاظ على حالة التواصل بين مكوناتها من منطلق إطالة أمد المواجهة الذكية لتقليل حجم الخسائر.

وقال المصدر الأمني لـ"فلسطين": إنه "بالتزامن مع خوض المواجهة وفقد العديد من المقاومين كانت تدور عمليات تجنيد لسد الشواغر واشغال الصفوف والمواقع بمقاومين ما منع من حدوث فراغ، كما أن ارتقاء الشهداء فتح المجال لتصعيد جيل جديد خاض المواجهة منذ بدايتها، وهو صاحب خبرة ومتكيف مع الواقع العملياتي المتواصل".

وبموازاة ذلك برزت العقلية القيادية الفذة للقائد العام لكتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد، والذي أدار المواجهة في شمال غزة، وعمل على تشكيل وحدات خاصة لمحاربة العصابات العملية على امتداد القطاع ما شكل عامل قوة في احباط مخططات الاحتلال بضرب الجبهة الداخلية. وفق المصدر

بالتالي كان لحالة الانتشار الواسع والصمود الذي حققته المقاومة بقيادة الحداد، كما تابع المصدر، اسهام بشكل لافت في نجاح العديد من العمليات التي أبهرت الاحتلال ودفعته أثمانا باهظة كما جرى في بيت حانون التي دمرها الاحتلال ثلاث مرات بالكامل وطحن ركام المباني بحثا عن المقاومين ومداخل الأنفاق لتفجيرها.

وأكد أن المقاومين بشمال غزة استفادوا من الطبيعة الجغرافية للعديد من الأماكن التي حولوها لكمائن موت، سجلوا خلالها انتصارات ميدانية هائلة وفي واحدة من المرات نجحوا في السيطرة على مواد غذائية تابعة لجيش الاحتلال تركها الجنود بعد هروبهم إثر وقوعهم في اشتباك مع عدد من المقاومين، وكفت المواد الغذائية 40 مقاوما لمدة شهرين، لكن المشكلة كانت في توفير مياه الشرب وهي من أصعب التحديات.

متاهة دائرية

photo_٢٠٢٣-١٢-١٠_١٩-١٩-١٦.jpg
 

ولم تكن مفاجأة الاحتلال بحسب المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج في طول فترة القتال، بل في قدرة المقاومة على إعادة انتاج نفسها ميدانيا، فبعد كل حملة كان الاحتلال يعلن في نهايتها تفكيك البنية العسكرية أو السيطرة العملياتية على شمال غزة، كان يعود بعد أسابيع يقاتل في نفس المكان، وكان يدخل المتاهة نفسها في كل مرة.

وقال الحاج لـ"فلسطين": "في جباليا ظهر أن السيطرة النارية لا تعني السيطرة الفعلية، فالاحتلال دخل المخيم عدة مرات وأعلن القضاء على كتائب ومراكز قيادة، لكن المقاومة عادت لتنفذ كمائن وعمليات قنص وتفجير آليات بعد كل انسحاب، أو إعادة تمركز وهذا خلق انطباعا داخل الإعلام العبري أن جيش الاحتلال يواجه استنزافا دائريا أي أنه يعود لنقطة البداية رغم حجم التدمير الهائل".

أما في بيت حانون، فكان يفترض بالمنطق العسكري أن تكون من أسهل المناطق ضبطا وسيطرة بسبب قربها من مستوطنات غلاف غزة نظرا لكثافة المراقبة الجوية الإلكترونية، لكن المقاومة حافظت على القدرة على الاشتباك والمباغتة، واستمرت بتهديد القوات المتوغلة حتى بعد أشهر طويلة من الحرب وهذا بحد ذاته ضرب لفكرة وجود "مناطق مؤمنة" داخل القطاع. بحسب الحاج

ولفت إلى أنه في بيت لاهيا برزت مشكلة أخرى للاحتلال، بأن الأرض المدمرة نفسها تحولت إلى بيئة قتال معقدة، سواء الركام أو الأنفاق أو حركة المقاتلين والقدرة على التخفي جعل جيش الاحتلال يواجه حرب استنزاف لا تشبه الحروب التقليدية التي بنيت عليها عقيدته القائمة على الحسم السريع والتفوق التكنولوجي، فاعتمدت المقاومة على السلاح والإرادة والمرونة رغم انقطاع شبه كامل لمقومات الحياة، بقيت قادرة على تنفيذ عمليات مؤلمة.

ويعتقد أن شمال غزة تحول إلى عقدة عسكرية وسياسية للاحتلال حتى لو تمكن من دخولها ميدانيا عدة مرات، إذ فشل في تثبيت واقع مستقر لقواته، كما أن تكرار العمليات العسكرية بأسماء مختلقة سواء عملية جدعون وخطة "الجنرالات" وعملية جدعون "الثانية" والحملات المتتابعة أو ما سمي بخط إخلاء الشمال أثبت أن المشكلة لم تحل أصلا

المصدر / فلسطين أون لاين