بلحظة تغير المشهد بجوار عمارة "المعتز" الواقعة بحي الرمال وسط مدينة غزة، بعدما كانت أصوات أهازيج الفرح تنبعث من حفلي زفاف بالحارة نفسها وكان الجيران يتشاركون التهنئة مرتدين بدلا رسمية، لينقلب المشهد مع حلول مغرب الجمعة (مساء أول من أمس) مع صوت سقوط الصاروخ الأول من طائرة حربية إسرائيلية وتوالى بعدها سقوط خمسة صواريخ أخرى في مشهد يحاكي أيام الإبادة، مخلفا نحو ثلاثة شهداء من العمارة نفسها والعمارة المقابلة وعشرات المصابين.
غطت المنطقة سحابة كثيفة من الدخان مع تطاير الشظايا وسقوط الإصابات والشهداء، واشتعال النيران بالطابقين الثاني والثالث وتمددها للطوابق الأخرى، في لحظة كان السكان يتسوقون من مول تجاري قريب من المكان.
على مدار ساعتين من العمل رافقنا فيها طواقم الدفاع المدني التي حضرت للمكان بأدوات وإمكانيات محدودة حاولوا التعامل مع الحريق الهائل. ببطولة وشجاعة منعت الطواقم النيران الناجمة عن الصواريخ من التمدد لشقق أخرى.
وبينما كانت النار تبلغ ذروة اشتعالها كان أفراد الطواقم يقتحمون اللهب لإجلاء المصابين والعالقين من كبار سن وأطفال ونساء وإخراجهم خارج العمارة وسط صدمة وذهول وبكاء بعد لحظات مرعبة عاشوها وعلقوا خلالها بين كتل لهب كبيرة كان يمكن أن تصل لأجسادهم لولا هذه الطواقم.
إمكانيات محدودة

في لحظات كانت تتساقط بعض أجزاء مشتعلة من أثاث محترق وجدران مدمرة من الفتحات التي أحدثتها الصواريخ نحو الأسفل، وبالرغم من تلك الخطورة ظل أفراد الدفاع المدني يتنقلون بين سيارات الإطفاء والطوابق العلوية، أثناء عملية استبدال الطواقم وجلب الأدوات والدعم.
بواسطة خط مياه واحد تشاركت أربع سيارات إطفاء في توفير المياه، كانت الطواقم تطفئ الحريق، في مشهد يعكس النقص الحاد في المعدات والأدوات اللازمة لطواقم الدفاع المدني للتعامل مع حوادث الحروب والكوارث والمجازر التي يرتكبها الاحتلال، ما يعني صعوبة السيطرة في حال وقوع حدثين بنفس التوقيت.
بعد توقف الحريق، تكشفت المأساة أكثر وظهر حجم الدمار الكبير في العمارة، إذ تضررت أعمدة سفلية، ومدخل بيت الدرج، وتدمرت عدة شقق في الطوابق الأولى واحتراقها بالكامل، ما حكم على سكانها بالتشرد القسري.
أمام مشرحة جثامين "الموتى والشهداء" بمجمع الشفاء الطبي، كان محمد الداية وعائلته يلقون بدموعهم نظرات الوداع على شقيق زوجته الشهيد خليل أبو سمرة (45 سنة) وزوجته ربا الغصين.
تزامن وصول الزوجين خليل وربا لمدخل العمارة أثناء عودتهم من حفل زفاف أحد الأقارب، مع سقوط الصواريخ من الأعلى ليستشهدا على بوابة المدخل.
بقلب يكتوي بنار الفقد وبعينين غائرتين يقول الداية لصحيفة "فلسطين": "اتصلت على والدة زوجتي قبل الحدث فكانت قلقة لتأخر خليل وزجته عن العودة، فحاولت الاتصال به لكن لم تكن هناك إشارة، وبقي الهاتف على هذا الحال حتى حدث القصف فتوجهت للعمارة، لأجدهما مستشهدين غارقين بدمائهم على مدخل العمارة".
قبل عشرين عاما ارتبط خليل وربا التي جاءت من الأردن لقطاع غزة وقاسمته على "الحلوة والمرة"، وبالرغم من أنهما لم يرزقا بأولاد، ظل الحب والمودة والشراكة تجمعهما حتى أصبحا "روحا بجسدين" كما يصف الداية هذا القرب، قائلا: "لم يفترقا عن بعضهما، دائما يخرجان ويعودان معا حتى استشهدا وهم عائدين من فرح".
كاميرا لم توثق
عايش الصحفي علي عامر الجعفراوي الحدث من زاوية مختلفة عن الأحداث الكثيرة التي كان يوثقها بعدسته، فبينما كان يرتدي بدلة فرح هو وأصدقاؤه ويشاركون الجيران فرحهم في لحظات أخذ فيها استراحة من العمل، شاهدوا الصواريخ وهي تتساقط على المكان لتحوله إلى كتلة من الدخان وصفها بأنها أشبه بـ "بيوم القيامة"، ويقف كصحفي وشاهد عيان في حدثٍ دامٍ شاهد الشظايا تتطاير فوق رأسه.
يستحضر الجعفراوي المشهد الدامي في حديثه لـ"فلسطين" قائلا: "كنت أتواجد بفرح صديقي من عائلة أبو شعبان ويرافقني أصدقاء وصحفيون. نرتدي بدلا رسمية، وكانت هناك كانت تجهيزات لمراسم "زفة" عروس من الحارة التي كانت تعيش حالة فرح لم تكتمل. سقطت الصواريخ الستة، هناك من وضع يده على رأسه، ومن دخل العمارات أو الخيام لحظة تطاير وتناثر الشظايا والغبار والردم الذي حول المشهد ليوم القيامة".
وأضاف وهو يستعيد التفاصيل في تلك اللحظة الدامية: "توجهنا للمكان المستهدف، ونحن لم نر شيئًا، انتظرنا انقشاع الغبار واتضاح الرؤية أكثر، وكان الحريق في بدايته والمكان تحول لأشبه بساحة حرب، لكن لم نسمع صراخا لأن الناس المتواجدة بالمكان استشهدت، رأينا المصابين والشهداء ملقون على الأرض، والدماء تنزف من أجسادهم، فكانت حالة من الصدمة".
غطى الجعفراوي الكثير من الأحداث، وكان بمجرد وصوله للحدث يرفع كاميرته ويبدأ بالتصوير، أما في هذا الحدث كان الوضع مختلفًا: "بيتي لا يبعد عن المنزل المستهدف سوى خمسين مترا، لم أستطع رفع الكاميرا، وحتى لم استطع الاتصال على أهلي للاتصال عليهم من هول المشهد وصعدنا العمارة وبدأنا بإجلاء العاقلين، فكان هناك كبار سن ومقعدين، أيضا الكثير من الزملاء الصحفيين شاركوا في عملية الإجلاء الأولى برفقة طواقم الدفاع المدني

