تتداخل آثار النكبة الفلسطينية مع حرب الإبادة الإسرائيلية الجماعية ضد شعبنا الفلسطيني، وتتزاحم تداعيات الإبادة والتدمير والنزوح القسري في غزة مع التوسع الاستيطاني غير المسبوق في الضفة والقدس المحتلتين.
وبينما تحل هذا العام الذكرى السنوية الـ 78 للنكبة، يواجه الشعب الفلسطيني تداعيات تلك النكبة الممتدة بالتهجير القسري والتوسع الاحتلالي ومصادرة الأراضي وتهويد القدس ومسجدها المبارك، والحصار العسكري المشدد على غزة التي عاشت إبادة جماعية غير مسبوقة في العصر الحديث.
وكنتيجة لتلك المتغيرات السياسية، يواجه اللاجئون الفلسطينيون تعقيدات سياسية وظروف إنسانية غير مسبوقة، كحال الشاهد الدولي على نكبتهم المعترف به من قبل الأمم المتحدة، وهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" التي تواجه حملة تحريض إسرائيلية – أمريكية تصاعدت منذ عام 2017 وحتى هذه اللحظة. بحسب (المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين) د. علي هويدي.
وأوضح هويدي في حوار مع صحيفة "فلسطين" أن "أونروا" هي الشاهد الدولي على النكبة الفلسطينية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية عام 1948م؛ وذلك تعبيرا عن المسؤولية القانونية والإنسانية والدولية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين.
لكن ما يلاحظه على التعامل الدولي أو الأممي في التعامل مع النكبة الفلسطينية أو قضية اللاجئين المنتشرين في شتات العالم هو ما أسماه بـ"النفاق الدولي" في التعامل مع اللاجئين الفلسطينيين وكذلك "أونروا".
وفي قضية اللاجئين، استدل بقدرة هيئة الأمم المتحدة أن تضغط خلال سنوات متفاوتة لإعادة 10 مليون لاجئ إلى بلدانهم كـ(كوسوفو، موزمبيق، تيمور الشرقية، جواتيمالا)، وقال: إن جميع تلك الدول حصل فيها لجوء ثم عاد اللاجئون إلى بلادهم.
لكن في الحالة الفلسطينية، بحسب المختص في شؤون اللاجئين، بقيت حالة "اللجوء الفلسطيني أطول لجوء لشعب في العالم حتى اللحظة"، معتبرا ذلك "وصمة عار" في سجل الأمم المتحدة.
ورغم صدور قرارات أممية لصالح اللاجئين الفلسطينيين، أبرزها 194، لكنه أكد أن القرار المذكور وغيره "بقي حبرا على الورق".
وتبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194/ عام 1949 الذي تقرر فيه وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقا لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.
وفي ملف "أونروا"، ذكر أن هناك نفاق دولي أيضا في التعامل مع "أونروا" التي جرى تمديد ولايتها في ديسمبر 2025 لمدة ثلاث سنوات حتى حزيران/ 2029م، بموافقة 156 دولة في الأمم المتحدة.
وأضاف: للأسف! هذا دعم معنوي وسياسي ورغم أهميته يجب أن يترجمه أو يتبعه تكملة الدعم المالي حتى تستطيع "أونروا" تكملة مهامها، وضرب على سبيل المثال، مساهمة الدول العربية في الموازنة العامة لوكالة "أونروا" 7.8 بالمئة لكن ما تدعمه تلك الدول خلال السنوات الأخيرة لا تساهم سوى بـ 1-2 بالمئة من الموازنة العامة.
حملة ممنهجة ضد "أونروا"
وجدد التأكيد على مسؤولية الأمم المتحدة التي تتحمل تهجير الفلسطينيين من وطنهم وقراهم، لذلك مسؤولية التمويل المالي للوكالة - ليس منة أو هبة دولية - بل مسؤولية دولية وأممية تجاه اللاجئين والشاهد "أونروا" على جريمتي النكبة والتطهير العرقي التي ارتكبتها "العصابات الصهيونية"
وتابع: لا شك أن هناك حالة ضغط إسرائيلي – أميركي كبير منذ 2017 وحتى اللحظة على الدول المانحة لأجل وقف مساهمتها المالية لصندوق "أونروا" التي تواجه إبادة إسرائيلية منذ الإبادة الجماعية أكتوبر 2023م.
وأوضح أن الهدف الإسرائيلي من وراء تلك الحملة يتمثل في: تشويه صورة "أونروا" ونعتها بمكائد سياسية، شطب مسمى لاجئ ومحاولة تذويبه في الدول المضيفة، وإلغاء البعد السياسي المتمثل بحق العودة.
ونتيجة للتحريض الإسرائيلي والأمريكي المتصاعد منذ بدء الإبادة الجماعية، تراجعت دول عربية وأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية عن مساهماتها المالية لصالح الشاهد الدولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
واستدل بوقف الإدارة الأمريكية مساهمتها المالية لصندوق "أونروا" وتقدر بـ360 مليون دولار، ورغم وقف هذه المساهمة، برأي هويدي، إلا أنه باستطاعة دول أخرى – لو أن هناك قرارات سياسية – تعويض هذا المبلغ، وتمم حديثه: "لكن للأسف! لا قرارات دولية ولا إرادة سياسية تجاه دعم أونروا".
في المقابل، تطرق إلى مصلحة إسرائيلية وراء تلك الحملة الممنهجة: تكريس شرعية الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وشطب القرار 194، وفي النهاية إذا ضاعت قضية اللاجئين ذهبت قيمة القرار الأممي.
وأكد أن حق العودة حق فردي وجماعي، لا يسقط عبر الزمان، ولا يحق لأي كان التفاوض عليه.
العودة قريبة
وحول مدى نجاح التحريض الإسرائيلي – الأمريكي، استعرض فقدان الفلسطينيين لوكالة "أونروا" في القدس المحتلة، وحاليا في الضفة هناك شروط إسرائيلية: إلغاء اسم مخيم، إغلاق مكتب "أونروا" لأجل إعادة اللاجئين إلى مخيماتها (مخيم نور شمس، مخيم جنين، مخيم طولكرم) الذي تم تهجير نحو 50 ألف لاجئ منه بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتطرق إلى المحاولات الإسرائيلية المستمرة عبر العقود الزمنية في جميع الأراضي الفلسطينية شطب صفة اللاجئ والمخيم عن حياة الفلسطينيين.
وفق تقديرات وكالة "أونروا" يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين نحو 5.9 مليون لاجئ ما يمثل حوالي 38% من مجمل الشعب الفلسطيني في العالم (15.5 مليون). ويتوزع هؤلاء اللاجئون جغرافيا بطريقة تعكس استمرار حالة التهجير القسري، حيث يقيم نحو 59% منهم في الأردن وسوريا ولبنان، مقابل 15.5% في الضفة الغربية، وقرابة 22% في قطاع غزة.
وفي سياق هذا التوزيع، يعيش نحو 29% من اللاجئين داخل 58 مخيما رسميا، تتوزع بواقع 10 مخيمات في الأردن، وفي سوريا 9، وفي لبنان 12، و19 في الضفة الغربية، و8 في قطاع غزة.
وبحسب هويدي فإن هذه الأرقام لا تعكس مؤشرات ديموغرافية، بل تكشف عن واقع إنساني وسياسي مركب، بعدما تحولت المخيمات الفلسطينية من تجمعات مكتظة باللاجئين تعاني من الفقر والبطالة وضعف الخدمات والبنية التحتية إلى مخيمات مدمرة وحياة معيشية مهمشة للاجئين الذين يواجهون ظروف حياتية معقدة وبائسة.
ورغم تلك الأحداث والمتغيرات، إلا أنه قال إنه "لا خوف فلسطينيا على قضية اللجوء، هذه قضية أساسية وثابتة وستبقى شوكة في حلق الاحتلال الذي يريد تذويب اللاجئ الفلسطيني في أماكن لجوئه أو عمله".
ودلل على حديثه بمشاهد عودة الأهالي – ضمن فعاليات إحياء ذكرى النكبة سنويا – إلى القرى والمنازل المهجرة داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وبالتالي: فإن مراهنة الاحتلال على نسيان الفلسطيني قضيته وحقوقه "ثبت فشله"، مؤكدا أن الإرادة والعزيمة صفة اللاجئ الفلسطيني الذي ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.
ومن وجهة نظر، (المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين) فإن الخطر الأكبر الذي يواجه قضية اللاجئين الفلسطينيين، تتمثل بغياب رؤية استراتيجية وطنية للحفاظ على قضيتهم وعلى وكالة "أونروا".
وشدد في هذا السياق على أهمية وحدة الجسم الفلسطيني الذي يمكنه تحقيق نقاط مهمة لصالح اللاجئين و"أونروا" في الأمم المتحدة، وبالتالي: أي نقطة وحدوية فلسطينية سيتلقفها صانع القرار وسيتم استخدامها بإيجابية في أروقة الأمم المتحدة.
وختم المتحدث الفلسطيني: "رغم قتامة المشهد، الفلسطينيون أقرب إلى العودة بانهيار المشروع الإسرائيلي تدريجيا"، مشيدا بإرادة الفلسطيني وصموده وتمسكه بحقوقه بعد 78 عاما من النكبة

