قائمة الموقع

"غزة باركور".. قفزات فوق الركام ورسائل حياة في قلب الحرب

2026-05-14T16:30:00+03:00
شبان فلسطينيون في غزة القفز والحركة متحدّين الموت والحرب
فلسطين أون لاين

فوق أنقاض المنازل المدمرة، وبين شوارع غابت ملامحها تحت الركام، يواصل شبان فلسطينيون في غزة القفز والحركة متحدّين الموت والحرب. لم تعد رياضة «الباركور» بالنسبة لهم مجرد استعراض رياضي أو هواية شبابية، بل تحولت إلى وسيلة للنجاة النفسية ورسالة صمود يبعثون بها من قلب الدمار، في محاولة للتشبث بالحياة وسط حرب لا تتوقف.

ففي قطاع غزة، الذي أثقلت الحرب تفاصيله اليومية، أصبح لاعبو فريق «غزة باركور» يمارسون تدريباتهم بين الركام والخيام، حاملين رسالة تقول إن الحياة لا تزال ممكنة على الرغم من كل الخراب.

وتأسس فريق «غزة باركور» عام 2005، وضمّ مجموعة من الشبان الذين وجدوا في هذه الرياضة مساحة للحرية والتحدي والتعبير عن الذات. وقبل الحرب، كانت تدريبات الفريق تتركز على تطوير المهارات البدنية والمشاركة في المنافسات الدولية، حاملين اسم فلسطين ورسالة شعب يتطلع للحياة والسلام والانفتاح على العالم.

لكن الحرب غيّرت كل شيء، ولم تعد القفزات فوق الحواجز مجرد مهارات رياضية، بل تحولت إلى انعكاس لواقع يومي مليء بالخوف والنجاة والفقدان.

الحرب فرّقت اللاعبين

وخلال الحرب، واجه الفريق ظروفًا قاسية، بعدما تشتت أعضاؤه بين النزوح وفقدان الأحبة والبحث المستمر عن الأمان.

واضطر عدد من لاعبي الفريق إلى مغادرة قطاع غزة، فيما استشهد اللاعب سعيد التتري في يناير/ كانون الثاني 2024، وهو أحد أبرز الوجوه الشابة في الفريق.

أما من بقي داخل القطاع، فتمسك بالرياضة باعتبارها شكلًا من أشكال الصمود النفسي، ورسالة تؤكد أن الحياة ما زالت قادرة على الاستمرار رغم كل ما يحيط بهم من دمار.

ويقول إبراهيم السلوت، أحد مؤسسي الفريق، لصحيفة «فلسطين»، إن الحرب لم توقف النشاط الرياضي فحسب، بل مزقت تفاصيل الحياة اليومية بالكامل.

ويوضح أن التواصل بين اللاعبين أصبح مهمة شاقة بسبب القصف المستمر والانقطاع المتكرر للاتصالات، إلى جانب النزوح المتواصل من مكان إلى آخر على مدار أشهر الحرب الطويلة.

ويؤكد أن ممارسة الرياضة اليوم لم تعد ترفيهًا، بل أصبحت وسيلة لمقاومة الآثار النفسية والجسدية للحرب، ومحاولة للحفاظ على التوازن والأمل وسط مشاهد القتل والدمار.


 

نجاة من الموت

ويروي محمد زقوت، أحد لاعبي الفريق، واحدة من أصعب اللحظات التي عاشها خلال الحرب، حين نجا مع زميله إبراهيم السلوت من قصف كاد أن يودي بحياتهما في مدينة خان يونس، قرب دوار «بدوية» المجاور لمستشفى الهلال الأحمر.

ويقول لـ"فلسطين» إنهما توجها إلى أحد المحال لشراء بطاقة إنترنت بهدف متابعة الأخبار والتواصل مع الآخرين، في ظل ضعف خدمات الاتصال آنذاك.

ويضيف: «بعد خروجنا بدقائق وقفنا قرب شجرة مقابلة للمحل، لكنني شعرت بالخطر وطلبت من إبراهيم الابتعاد عن المكان. وبعد انتقالنا لمسافة قصيرة، استهدف القصف الموقع نفسه».

وأسفر القصف عن استشهاد 15 مواطنًا كانوا في المكان، فيما نجا اللاعبان بأعجوبة.

ويؤكد محمد أن مثل هذه اللحظات تكررت مرارًا مع لاعبي الفريق، بين النجاة من الموت وفقدان الأصدقاء والأحبة.

كما يشير السلوت إلى أن استشهاد سعيد التتري ترك أثرًا عميقًا في نفوس اللاعبين، موضحًا أنه كان يتمتع بطاقة استثنائية وروح تبث الحماس والأمل داخل الفريق.

ويضيف: «سعيد كان يرى في الباركور أكثر من رياضة، بل أسلوب حياة قائمًا على التحدي والإصرار».


 

الرياضة لنقل صورة غزة

ورغم كل الظروف، يواصل اللاعبون تدريباتهم يوميًا فوق أنقاض المنازل المدمرة وبين الشوارع التي غمرها الركام.

ولم تعد ملاعبهم صالات رياضية أو ساحات مجهزة، بل مدينة محطمة تحاصرها آثار الحرب من كل اتجاه.

ويحاول الفريق ممارسة تدريباته بحذر شديد بسبب انتشار المخلفات الحربية والأماكن الخطرة، في ظل غياب الإمكانات التي تضمن الحد الأدنى من السلامة والتجهيزات الرياضية.

ولا يقتصر هدف الفريق على الاستمرار الرياضي فقط، بل يسعى أيضًا إلى نقل صورة الشعب الفلسطيني إلى العالم، في وقت يُمنع فيه الصحفيون ووسائل الإعلام الدولية من دخول غزة.

ويعتمد اللاعبون على هواتفهم المحمولة ومنصاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق التدريبات وتصوير المقاطع ونشرها، فيما يتبادلون الأدوار بين التصوير والإعداد والتنفيذ بإمكانات بسيطة، لكنها تحمل رسائل إنسانية مؤثرة.

ويحظى المحتوى الذي ينشره الفريق بتفاعل واسع، بينما يأمل اللاعبون في تطوير أدواتهم للوصول إلى جمهور أكبر حول العالم.

وبالنسبة لهم، لم تعد رياضة الباركور مجرد قفزات فوق الحواجز، بل أصبحت لغة تنقل الحقيقة، وتوثّق وجع غزة، وتحاول انتزاع مساحة للحياة من قلب الركام.


 

اخبار ذات صلة