واجه الصحفيون في غزة خلال عامي الإبادة ظروفا قاسية في أثناء تغطيتهم للأحداث، فلم يعملوا في بيئة محفوفة بالمخاطر فقط، بل كانوا على سلم الأهداف، مع غياب قوانين الحماية الدولية التي يفترض أن تكفل سلامة الصحفيين، والتي كشف الواقع في غزة عن عجزها عن ردع الانتهاكات أو توفير مظلة أمان حقيقية، ما يعكس فشلا في تطبيقها ومحاسبة الاحتلال، ما جعل الصحفيين مكشوفين أمام الاستهداف المباشر والخطر الدائم.
وبالرغم من الاستهداف المتواصل والتحريض والتهديد، لم يترك الصحفيون ميدان التغطية واستمروا في أداء رسالتهم بإصرار، متحلين بشجاعة وإيمان بعدالة قضيتهم وأهمية نقل الحقيقة إلى العالم وكشف جرائم الاحتلال، فكانوا صوتا لا يمكن اسكاته وكاميرا لا يمكن فقأ عينها وقلما لم ينكسر.
وصادف أول من أمس اليوم العالمي لحرية الصحافة إذ أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في كانون الأول/ ديسمبر 1993، ومنذ ذلك الحين يتم الاحتفال به في جميع أنحاء العالم بهدف تذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة إلى جانب تقييم حالة حرية الصحافة في جميع أنحاء العالم.
وبعد جرائم الاحتلال بحق الصحفيين في غزة، بات هذا اليوم مناسبة لتذكير العالم بتلك القوانين التي كفلت حرية الصحافة ولم تستطع حمايته على الأرض لتبقى حبرا على ورق.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي استشهد 262 صحفيا، وأصيب 420 آخرين بعضهم بإعاقات دائمة وبتر أطراف، واعتقل الاحتلال 50 صحفيا في ظروف قاسية، إضافة إلى 3 مفقودين مصيرهم غير معروف، وهم نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد وأحمد الأغا.
صباح السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، كان المصور الصحفي نضال الوحيدي (33 سنة) يراقب من سطح منزله الواقع بحي تل الزعتر شمال قطاع غزة مع والده رشقات الصواريخ، لكن تطورات الحدث، جعلته يتصل بسيارته ويحضر معداته ويغادر المنزل عند الساعة التاسعة صباحا متوجها نحو حاجز إيرز/ بيت حانون.
مصير مجهول
وفق شهود عيان، شوهد الوحيدي آخر مرة عند نقطة أمنية فلسطينية قرب الحاجز، فكان يوثق الحدث وجرائم الاحتلال المرتكبة، ليفقد من بعدها الاتصال به، وتمر على العائلة أكثر من عامين ونصف وهي تبحث عن أي معلومة تحسم مصير الذي بات بين ثلاثة صحفيين مفقودين أحدهم كان يرافقهم في تلك المهمة الصحفية.
ويقول والده لصحيفة "فلسطين" في اليوم العالمي لحرية الصحافة: "رسالتي للمنظمات الحقوقية وللصليب الأحمر وكل من يعمل في جمعيات حقوق الإنسان أن يستيقظ ضميرهم. فقدت ابني قبل أكثر من عامين ونصف وانقطع الاتصال به، ولا زلت أناشد القلوب الرحيمة أن يبحثوا عنه وأعتقد أنه بخير وأنه معتقل لدى جيش الاحتلال".
هذا الاعتقاد ليس نابعا من شعور داخلي يسيطر على قلب الأب، بل يعززه شهادات ميدانية وصور وصلته، أهمها صورة لنجله وهو ممدد على الأرض ومعصوب العينين في مركز بمستوطنة "نيتفوت" مع مجموعة من الأسرى، مؤكدًا أنها تعود لنجله من هيئة جسده، دون أن يبلغ رسميا من أي جهة بمصيره ما يزيد وجعه وألمه.
بمشاعر مليئة بالقهر والحنين أضاف: "عندما يغيب عنك ابنك طيلة هذه المدة، فستفتقده، خرج هو وزميله هيثم عبد الواحد أمام عيناي ولم يرجع. مضت كل تلك الفترة بقلق ومتابعة الأخبار، وسؤال المحررين عنه، مع تضارب الشهادات منهم حول مكان وجودهم فبعضهم أخبرني أنه سمعه بغرفة التحقيق بسجن "عسقلان" وتبعت مع محامين من الضفة دون أي نتيجة في معرفة مصيره".
بقيت بعض المعدات التي تركها نضال شاهدةً على مسيرة مهنية حافلة، لكنها تذكر والده يوميًا بلقاءٍ طال انتظاره: "تعلق نضال بالصحافة وكان لديه هواية التصوير منذ صغره، ثم التحق بدبلوم الصحافة بجامعة الأزهر ثم أصبح يعطي دورات، وشارك في تغطية الأحداث ومعظم الحروب ومل بمهنية وحيادية وسافر لعدة دول، كانت شقته التي دمرت مليئة بالجوائز والشهادات والتكريم، معظمها تدمر وبقي جزء من المعدات يذكرني به".
ظروف استثنائية
لم يكن حسن اصليح مجرد صحفي عادي، بل يصفه متابعوه وزملاؤه بأنه أشبه بـ "وكالة إخبارية" شاملة، تميز بالسرعة والدقة، وكانت تجربته في التغطية خلال الحرب امتدادا لرسالته الصحفية، التي جاءت في "ظروف استثنائية وقاسية للغاية، لم تقتصر التغطية على الأحداث الحربية بل شملت قصص المدنيين، الألم الإنساني، وصمود الناس، ما جعل عمله أقرب إلى توثيق حي لمعاناة الناس، واختار أن يكون قريبا من الحدث الذي أجبره على الابتعاد عن أسرته خوفا من أي استهداف.
يوم 7 إبريل/ نيسان 2025 توجه ابن عمه علي اصليح (32 سنة) للنوم في الخيمة المخصصة بمحيط مجمع ناصر الطبي الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل بعد تغطية وصفها بالمتعبة وأحداث ووصول شهداء، و لم يمضِ أكثر من نصف ساعة على نومه ليستيقظ على صراخ الصحفيين الأربعة الذين كانوا معه في الخيمة وكانوا مصابين.
يروي اصليح لصحيفة "فلسطين": "أصيب زميلي عبد الله العطار في بطنه، ومحمد فايق أبو مصطفى في قدمه، ويوسف سرسك وهو شاب يعمل معنا أُصيب في رأسه. كان الدخان كثيفا في الخيمة، كنت في حالة صدمة لا أفهم ماذا يحدث، خرجت من الخيمة، وجدت الخيمة تحترق وصراخ الناس تردد: "حسن حسن" الذي كان في الخيمة المجاورة".
وأضاف وهو يستعيد تفاصيل محفورة في ذاكرته: "شعرت بالقلق فحسن ابن عمتي. كنت في حالة صدمة لم أكن لحظتها أدرك ماذا يحدث حولي. فجأة رأيت الناس تحمل شخصا وجهه مغطى بالدماء ويصرخون حسن. ركضت معهم إلى قسم الطوارئ وأنا مازلت بصدمتي. بعد وصولي للطوارئ تحسست ساقي وجدتها دافئة وتنزف ولم أفهم كيف ذلك. ذهبت للطوارئ وهناك سقطت على الأرض، فأخذني الأطباء والممرضون ليتعاملوا مع حالتي وأنا كل ما أفكر به حسن، وماذا يحدث معه".
وتابع: "طمأنني وقتها أحد الزملاء عن حالته وأنه مصاب ببعض الجروح وأن الاستهداف لخيمة ملاصقة. وتبين لي أن القصف تسبب باستشهاد بعض الزملاء وإصابة 10 آخرين، وأصبت بشظية تحت المعدة وشظية أخرى لها مدخل ومخرج في الفخذ".
في صباح 13 مايو/ أيار 2025 استشهد حسن اصليح بعد قصف إسرائيلي مباشر استهداف قسم الحروق داخل مستشفى ناصر في مدينة خان يونس، كان حسن يتلقى العلاج، فلم تكتف (إسرائيل) ببتر أصابعه، ولا بحرق خيام الصحفيين، فلاحقته إلى سريره الطبي الذي كان ميدانه الأخير.
سبق الاستهداف تعرضه لحملات تشويه ومحاولات نزع المصداقية، ما زاد من حجم الخطر الذي يحيط به، ويتابع: "كان يحدثني باستمرار عن حملات التحريض المستمرة ضده وابتعاد وخوف الناس من الاقتراب او مساعدته سواء في رفح عندما كنا نازحين او بخانيونس".
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، يؤكد اصليح أن الرسالة الأهم هي أن "الصحافة ليست جريمة، وأن نقل الحقيقة لا يجب أن يكون ثمنه الحياة. يجب حماية الصحفيين، ومحاسبة كل من يستهدفهم، وضمان بيئة آمنة لعملهم. كما أن دعم الصحفيين المستقلين وتقدير دورهم هو جزء أساسي من حماية الحقيقة نفسها".
مرآة غزة
أما أنس الشريف فكان مرآة لوجع غزة وصمودها، لم يترك هو ورفاقه الشهداء محمد قريقع ومؤمن عليوة وإبراهيم ظاهر ومحمد نوفل ومحمد الخالدي الميدان الذي استشهدوا في مساء 10 آب/ أغسطس 2025 بقصف خيمة قناة الجزيرة بجوار مستشفى الشفاء وتناثر الشظايا على الخيام المجاور، لتظل أصواتهم وبقع دمائهم المتناثرة على الأرض والجدران وبقايا طعامهم وفراشهم شاهدة على تلك المجزرة الدامية، وهي شبيهة بالمجازر التي وثقوها بعدساتهم.
في وصية نشرت بعد استشهاده كتب أنس كلمات لا زالت "يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهد وقوة لأكون سنداً وصوتاً، لأبناء شعبي. عشت الألم في كل تفاصيله، وذقت الوجع والفقد مراراً، ورغم ذلك لم أتوان يوماً عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف. أوصي بفلسطين، درة تاج المسلمين ونبض قلب كل حر في هذا العالم".
تعلم مصعب الشريف وهو صحفي صاعد الكثير من تجربة عمه الشهيد، بعدما لازمه خلال مسيرة تغطية استثنائية في محافظة شمال القطاع ومدينة غزة، رافقه في محطات كثيرة ليكمل الشاب الصغير رسالة عمه، متنقلا بين المستشفيات وناقلا لصور المأساة في رسالة واضحة أن "دماء الصحفيين الشهداء" تلقي أمانة إضافية على عاتق زملائه بمواصلة نقل الحقيقة.
يقول مصعب لصحيفة "فلسطين" عن أكثر الأشياء التي لا ينساها لعمه أنس رفضه الانصياع للتهديدات الإسرائيلية التي سبقت استهدافه: "الكثير من الأشخاص طلبوا منه التخفي داخل المشفى أو في شقة بعيدا عن العمل، لكنه أصر على البقاء في خيمته. سمعته يقول في رفضه مغادرة الخيمة: "أنا عايش في هاي الخيمة وبدي أموت فيها زي زي الناس"، فعشنا في هذه الخيمة بمستشفيات: كمال عدوان والمعمداني والشفاء، وكان مصرا على التغطية ولو بالخيمة".