فوق الرمال الصفراء على شاطئ خان يونس جنوبي قطاع غزة، كان الصياد الفلسطيني محمد مقداد ينحني فوق قاربه الخشبي المتضرر، يمرر يديه على الثقوب التي خلّفتها شظايا قذيفة إسرائيلية، بينما تتداخل أصوات المطارق الخفيفة مع هدير البحر.
وسط هذا المشهد المثقل بالخسارة، ارتفع صوته بالغناء: “هدّي يا بحر هدي، طولنا في غيبتنا”، وكأنّه يحاول أن يخفف عن البحر غضبه، وعن قلبه وجع السنوات الثقيلة.
القارب الذي يعمل مقداد على إصلاحه ليس مجرد وسيلة صيد، بل مصدر رزق وحيد لعائلة أنهكتها الحرب والحصار وتراجع الحياة الاقتصادية في غزة، والشظايا التي اخترقت خشبه لم تصب المركب وحده، بل أصابت ما تبقى من قدرة الصيادين على الاستمرار في مهنتهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

على مقربة منه، كان الصياد طارق صيام يتابع العمل بصمت قبل أن يتحدث عن واقع الصيد القاسي في غزة، قائلاً إن "الصيادين يعيشون ظروفًا شديدة الصعوبة في ظل غياب الكهرباء وشح الإمكانيات وارتفاع تكاليف العمل"، ويوضح أن القوارب المتضررة تُصلّح بوسائل بدائية، في ظل انعدام المعدات والمواد اللازمة.
ويقول صيام إن الصيادين بالكاد يستطيعون دخول البحر لمسافات قصيرة جدًا، خوفًا من الاستهداف أو الملاحقة، موضحًا أن بعضهم لا يتجاوز خمسين مترًا داخل البحر، وأحيانًا أقل من ذلك، ما يجعل فرص الصيد شبه معدومة.
ويضيف أن ما يتم اصطياده يوميًا قليل للغاية، ولا يكاد يكفي لسد احتياجات العائلات التي تعتمد على البحر كمصدر دخل أساسي.

ويتابع بأسى: “إحنا بنحب الصيد، هاي مهنتنا وحياتنا، لكن ما فيش صيد نهائيًا… الصيد في غزة انتهى”.
ورغم ذلك، لا يزال الصيادون يتوافدون إلى البحر كل صباح، يحملون شباكهم الممزقة وأملًا صغيرًا بالعودة بما يسد رمق أطفالهم، بعضهم يصلح القوارب المتضررة بألواح خشبية قديمة وقطع معدنية صدئة، فيما يحاول آخرون إعادة ترميم شباك أكلها الملح والتمزق.
غناء محمد مقداد وسط عملية إصلاح القارب بدا وكأنه رسالة تحدٍ في وجه الموت والخراب، فالرجل الذي يداوي مركبه بيديه العاريتين، اختار أن يواجه القصف والحصار بالغناء لا بالصمت، وأن يتمسك بعلاقته القديمة مع البحر رغم كل ما تغير.

في غزة، لم يعد البحر مجرد مساحة للصيد أو متنفسًا للناس، بل أصبح شاهدًا يوميًا على حكايات الفقد والصمود، وبين موجة تعلو وأخرى تنكسر، يواصل الصيادون ترميم قواربهم المرهقة، وكأنهم يحاولون في كل مرة ترميم شيءٍ منكسر داخلهم أيضًا.

