فلسطين أون لاين

رغم إصابته بنيران الاحتلال.. الصياد "أبو عمرة" يُبحر خشية جوع أبنائه

...
الصياد سلمان أبو عمرة يقف بجوار قاربه
غزة/ أدهم الشريف:

في ساعة مبكرة صباح أمس، مشى الصياد سلمان أبو عمرة على رمال الشاطئ غرب مدينة غزة، متجهًا إلى قاربه إيذانًا ببدء مغامرة صيد جديدة، بينما كانت آثار الإصابة بنيران إسرائيلية واضحة على وجهه وجسده.

وبخطوات حذرة وجسدٍ مثقل بالجروح، دفع أبو عمرة بقاربه الصغير إلى المياه، وعلى متنه شباك صيد ممزقة، ولم تمنعه الإصابة ولا التحذيرات التي تلقاها من عائلته من الإبحار مجددًا.

قبل يوم واحد فقط، كان أبو عمرة يبحر برفقة صيادين اثنين على مسافة قريبة من الشاطئ، حين باغتتهم الزوارق الحربية الإسرائيلية بإطلاق قذائف ورصاص كثيف استهدفهم مباشرة.

وقال أبو عمرة، واصفًا مشهد الاستهداف، وهو يشير إلى الأفق القريب حيث تستبيح الزوارق الحربية عرض البحر: "كنا بالقرب من الشاطئ عندما فتحت الزوارق نيرانها علينا، وكأنها تخوض اشتباكًا مسلحًا.. الاحتلال يريد بالفعل إبادتنا".

وأصابت الشظايا المتطايرة من القذائف الصياد أبو عمرة في أنحاء متفرقة من جسده، ما استدعى نقله إلى مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج، قبل أن يسمح له الأطباء بالمغادرة إلى منزله في حي تل الهوى، جنوبي مدينة غزة، فيما كانت إصابة الصيادين المرافقين له طفيفة.

ورغم ما تحمله مهنة الصيد من مخاطر كبيرة بفعل اعتداءات بحرية الاحتلال، فإنها لم تعد بالنسبة لأبو عمرة مجرد مهنة يمارسها في ظروف استثنائية، بل معركة يومية من أجل البقاء وسط حرب أنهكت تفاصيل حياته.

وأضاف لصحيفة "فلسطين"، وهو يثبت شباك الصيد فوق قاربه: "إذا بقينا في البيت ولم أصطد الأسماك، فلن تجد عائلتي ما يسكت جوعها".

ويتخذ أبو عمرة من صيد الأسماك مصدر دخل رئيسيًا منذ ما قبل حرب الإبادة التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، واستمرت قرابة عامين، ويعيل زوجته وأبناءه الأربعة، أكبرهم يوسف في العشرينيات من عمره، وأصغرهم سارة (16 عامًا).

وقال: إنه لم يجد بديلًا عن الصيد، وإن حياته أصبحت مهددة بالخطر والموت.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها أبو عمرة ورفاقه لإطلاق نار من الزوارق الحربية الإسرائيلية، إذ أُصيب صيف العام الماضي برصاصة في ساقه اليمنى، ولم يتمكن الأطباء من انتشالها حتى الآن.

ويعترف هذا الصياد بأنه يواجه مخاطر كبيرة رغم إبحاره على بعد مئات الأمتار فقط من الشاطئ، خشية الاستهداف الإسرائيلي، بعدما كان بمقدوره، كغيره من الصيادين، الإبحار لمسافة أميال، تصل في بعض المناطق إلى 12-15 ميلاً بحريًا أمام سواحل غزة.

وأضاف: "الصيادون لا يشكلون أي خطر على الاحتلال وزوارقه الحربية، لكنه يريد التخلص منا وإجبارنا على عدم النزول إلى البحر".

ولم تمضِ سوى 24 ساعة على استهداف أبو عمرة والصياديْن اللذيْن كانا برفقته، حتى داهمت زوارق الاحتلال بحر منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، واعتقلت ستة صيادين صباح أمس، وفق ما أفاد به رئيس نقابة العاملين في قطاع الصيد زكريا بكر.

وأضاف بكر، لـ"فلسطين"، أن الاحتلال يغلق البحر بالكامل أمام الصيادين منذ اندلاع حرب الإبادة، وحتى بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية.

ووفق بكر، قتل جيش الاحتلال منذ بداية الحرب 232 صيادًا، بينهم أربعة صيادين استشهدوا بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فيما يعتقل الاحتلال في سجونه 30 صيادًا من أصل 100 تعرضوا للاعتقال.

وخلال حربه الدموية على غزة، دمّر الاحتلال 95 بالمئة من قطاع الصيد، بينما صعّد بشكل محموم من وتيرة ملاحقة الصيادين واستهدافهم، وهم الذين يبلغ عددهم نحو خمسة آلاف صياد فقدوا مصدر دخلهم الرئيسي.

ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية، تحولت مهنة الصيد إلى رحلة يومية محفوفة بالرصاص والاستهداف. أما بالنسبة لأبو عمرة، لم يعد الأمر متعلقًا فقط بتأمين قوت يوم عائلته، بل بالدفاع عن حقه الطبيعي في الحياة والعمل داخل بحر عرفه منذ طفولته.

وتساءل بغضب: "يريدون أن نخاف من البحر، ومن البيت، ومن الطريق.. لكن إلى أين نذهب؟

المصدر / فلسطين أون لاين