في صباحٍ ثقيلٍ تختلط فيه رائحة البارود بأنفاس الخوف، وجد الشاب عليان المجدلاوي (36 عامًا) نفسه أمام مفترقٍ لم يختره؛ بين البقاء لحراسة منزلٍ يحتفظ بذاكرته، أو الرحيل مع عائلته نحو المجهول. اختار البقاء، لا عنادًا، بل تمسكًا بما تبقى من حياةٍ يعرفها.
تقول زوجته إسلام المجدلاوي (33 عامًا) لصحيفة «فلسطين»: «في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2024، نزحنا من بيتنا في بيت لاهيا إلى مدينة غزة، لكنه رفض المغادرة، وكان يردد: إذا تركت البيت، كأنني تركت عمري كله خلفي».
لم يمضِ وقت طويل حتى تبدل كل شيء. في ذلك اليوم، استيقظ عليان على ألمٍ غامض، ورغم القصف الإسرائيلي، توجه إلى مستشفى كمال عدوان معتقدًا أن الأمر عابر. لكن ما حدث عند بوابة المستشفى أعاد رسم حياته بالكامل.
وتروي زوجته بصوتٍ متماسك يخفي انكسارًا عميقًا: «بمجرد وصوله إلى البوابة، أُطلقت قذيفة دبابة باتجاه المستشفى، فأصيب بشظية صغيرة اخترقت جسده، لكنها أصابت النخاع الشوكي… ومنذ تلك اللحظة، لم يعد كما كان».
تسببت الشظية بشللٍ نصفي سفلي، قيّد جسدًا كان يعج بالحركة، وأوقف خطواتٍ كانت تسابق الزمن لإعالة أسرته. مكث عليان يومين في مستشفى كمال عدوان، قبل نقله عبر سيارات الإسعاف التابعة للصليب الأحمر إلى مستشفى الشفاء. إلا أن انهيار المنظومة الصحية ونقص الإمكانيات حوّلا رحلة علاجه إلى سلسلةٍ من التنقلات المؤلمة دون نتيجة واضحة.
وتضيف إسلام: «نُقل لاحقًا إلى مستشفى الحلو الدولي، وبقي أقل من أسبوعين، ثم خرج دون أي تدخل جراحي»، وتتابع بمرارة: «خرجنا كما دخلنا… نحمل الألم نفسه، لكن بقلقٍ أكبر».
حتى اليوم، لا يزال الغموض يحيط بحالته؛ فلا تصوير بالرنين المغناطيسي يحدد موقع الشظية بدقة، ولا تشخيصًا نهائيًا يوضح مدى الضرر في النخاع الشوكي. هذا الغموض لا يعني نقص المعلومات فقط، بل يفتح بابًا واسعًا للخوف والانتظار. تقول زوجته: «لا نعرف ماذا أصابه تحديدًا… هل هناك أمل، أم أن ما نعيشه أصبح واقعًا دائمًا؟»
بعد نزوحٍ جديد، استقرت العائلة في مدرسة بمخيم النصيرات جنوب قطاع غزة؛ مكانٌ يفتقر لأبسط مقومات الحياة، فكيف بمريضٍ يحتاج إلى رعاية خاصة. ثلاثة أطفال يراقبون والدهم وهو يواجه عجزه، وزوجة تحاول التماسك رغم هشاشتها.
وتوضح: «المكان غير مهيأ إطلاقًا؛ لا سرير طبي، ولا علاج طبيعي، ولا حتى خصوصية. في البداية كان يستطيع تحريك ساقه، أما اليوم فقد تراجعت حالته بشكل واضح».
أما التحويلة الطبية التي ينتظرها عليان، فقد تحولت إلى حلمٍ مؤجل، إذ إن كل يوم يمر دون علاج طبيعي مكثف يعني مزيدًا من التدهور. وتقول: «هو بحاجة إلى جلسات يومية، لكنها غير متوفرة، وإن وُجدت فهي مكلفة جدًا بالنسبة لوضعنا المادي… نحن لا نطلب المستحيل، فقط فرصة للعلاج».
ولا يقتصر الألم على الجسد، بل يمتد إلى الحالة النفسية التي باتت جزءًا من معاناته. رجلٌ كان معيلًا لأسرته، يجد نفسه عاجزًا عن الحركة، معتمدًا على الآخرين. تقول زوجته: «أصبح عصبيًا كثير الصراخ… ليس لأنه تغير، بل لأن الألم يفوق احتماله».
يقف عليان اليوم في مساحةٍ ضيقة من الانتظار، حيث يتآكل الأمل ببطء. ومع ذلك، تتمسك زوجته بخيطٍ رفيع من الرجاء: «كل ما نريده أن نعرف حالته، وأن يتلقى العلاج… أن يعود أبًا قادرًا على احتضان أطفاله واقفًا، لا جالسًا على حافة الألم».