قائمة الموقع

حاتم النويري… شظية الحرب التي بترت يده وأثقلت ما تبقّى من حياته

2026-05-18T16:55:00+03:00
صورة أرشيفية

في زاوية من مخيم النصيرات، حيث تختلط أصوات الطائرات بضجيج النزوح والخوف، تبدلت حياة حاتم النويري (47 عاماً) إلى الأبد.

لم يكن يحمل سلاحاً، ولم يكن طرفاً في مواجهة مباشرة مع الموت، بل كان يسير في أحد شوارع المخيم في ظهيرة يوم عادي من أيام الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، قبل أن تسقط طائرة استطلاع صاروخها قرب مجموعة من الشبان، فتتناثر الشظايا في المكان، وتحمل معها مساراً جديداً من الألم والمعاناة.

يروي حاتم لصحيفة “فلسطين” تفاصيل اللحظة التي لا تزال حاضرة في ذاكرته وكأنها حدثت للتو، قائلاً: “في 23/4/2024، عند الساعة 11:30 ظهراً، تغيّرت حياتي إلى ما لا عودة بعده. كنت أفقد الوعي وأستفيق، ثم نُقلت إلى المستشفى. غبت عن الوعي بشكل كامل، ولم أستيقظ إلا بعد خروجي من غرفة العمليات، وعرفت حينها أنه سيتم بتر يدي”.

أصابت الشظايا جسده في مناطق متفرقة، لكن الإصابة الأشد كانت في يده اليمنى، حيث تفتت العظم بالكامل، ولم يعد بالإمكان إنقاذها. وبين لحظة وأخرى، وجد نفسه أمام حقيقة قاسية: اليد التي كان يعمل بها ويعيل أسرته أصبحت جزءاً مفقوداً من حياته.

ويضيف بصوت يختلط فيه الألم بالخذلان: “الأمر لم يكن سهلاً، ولم أكن متقبلاً للإصابة نفسياً، أثّرت على حياتي اليومية بشكل كبير”.

قبل الإصابة، كان حاتم يعمل في شركة مختصة بتجميع وتوزيع الخضار؛ يبدأ يومه باكراً ويعود منهكاً لكنه راضٍ، لأنه يؤمّن قوت أسرته. غير أن الإصابة أنهت عمله بالكامل، وحوّلته من معيلٍ يعتمد عليه الجميع إلى شخص يحتاج المساعدة في أدق تفاصيل يومه.

ولم تمنحه الحرب فرصة للتعافي أو التكيّف مع خسارته، إذ اضطر مع موجات النزوح المتكررة إلى مغادرة منزله مثل آلاف العائلات، لكنه كان عاجزاً عن مساعدة أسرته أو حمل احتياجاتهم خلال التنقل.

ويتابع بحسرة: “أصعب ما كنت أشعر به خلال النزوح أنني لا أستطيع مساعدة أهلي كما كنت أفعل دائماً، كنت أراهم يحملون الأغراض ويتعبون وأنا عاجز، بل ويطلبون المساعدة من الآخرين”.

ورغم مرور أشهر على إصابته، لم يتوقف الألم عند البتر. فما تزال شظايا عديدة مستقرة داخل جسده، تهاجمه بين حين وآخر بآلام حادة وتشنجات تشبه “الكهرباء”، كما يصفها، ما يضطره إلى مراجعة المستشفى بشكل متكرر وتناول المسكنات يومياً.

ويقول: “كنت أظن أنه بعد تقبّل البتر سينتهي الألم، لكن الشظايا التي بقيت في جسدي لا تتركني أعيش يوماً طبيعياً، الوجع مستمر طوال الوقت”.

خضع حاتم لجلسات علاج طبيعي وتأهيلي لمحاولة التكيّف مع وضعه الجديد، وتعلّم استخدام يده اليسرى في بعض المهام اليومية، إلا أن حلمه بالحصول على طرف صناعي لا يزال معلّقاً، في ظل غياب الإمكانيات الطبية داخل قطاع غزة واستمرار الانهيار الصحي.

ورغم حصوله على تحويلة طبية لاستكمال علاجه، تبقى رحلته مع الألم مفتوحة على احتمالات غير محسومة؛ بين انتظار السفر، ومحاولات التأقلم، والبحث عن حياة أقل قسوة.

لم يخسر حاتم يده فقط، بل خسر جزءاً كبيراً من حياته التي كان يعرفها. ومع ذلك، ما زال يحاول التمسك بما تبقى له من قدرة على الصمود، مؤمناً أن الإنسان قد يعتاد الألم لكنه لا ينساه.

ويختم حديثه: “الحرب لا تأخذ منا الأجساد فقط، بل تسلب حياتنا التي نعرفها، وتتركنا نبدأ من جديد كيف نتعلم أن نعيش”.

اخبار ذات صلة