في صباحٍ بدا عاديًا، كغيره من صباحات مدينة خان يونس التي كانت تعيش حربًا قاسية، استيقظ أمجد راتب المصري (36 عامًا) وهو يحمل همّ يومه كعادته، متجهًا إلى عمله في وسط المدينة. لم يكن يدري أن ذلك الصباح، الموافق 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، سيكون الفاصل الحاد بين حياةٍ يعرفها وأخرى لم يختَرها.
استقلّ أمجد “التكتوك” في طريقه، يحدوه أملٌ بسيط بيومٍ آمن، لكن صوت الانفجار الذي دوّى أمامه قطع كل شيء. لحظة واحدة كانت كفيلة بأن تُلقي بجسده عدة أمتار في الهواء، قبل أن يسقط على ظهره وسط الشظايا المتطايرة.
“من شدة الانفجار طار أمجد كأنه ورقة”، يروي شقيقه أحمد لصحيفة “فلسطين” بصوتٍ مثقل بالوجع.
نُقل أمجد إلى المستشفى، حيث أُجريت له عمليات بسيطة لإخراج الشظايا من جسده، لكن الصدمة الكبرى لم تكن في الجروح الظاهرة، بل في ما لا يُرى. فقد تبيّن أنه أُصيب بشلل رباعي، دون قدرة الأطباء على تحديد السبب الدقيق، في ظل غياب أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي.

“لا نعرف هل انقطع الحبل الشوكي بسبب السقوط أم أنها مجرد كدمة شديدة، نحن أمام إصابة كبيرة لكن دون تشخيص واضح”، وفق حديث أحمد.
وبعد أربعة أيام من بقائه في العناية المكثفة، فتح أمجد عينيه أخيرًا. لم يسأل عن نفسه ولا عن ألمه، بل كان أول ما نطق به: “وين بناتي؟”. سؤال بسيط، لكنه حمل في طيّاته كل الحنين الذي لم تُطفئه الإصابة.
اليوم، لا يشعر أمجد بأطرافه ولا يستطيع تحريكها. جسده الذي كان يركض بين مسؤولياته أصبح ساكنًا، محاصرًا داخل حدود الألم. حاول ابن عمه، وهو طبيب، أن يمهّد له حقيقة وضعه الصحي ويضعه أمام واقعٍ ثقيل، لكن ردّ أمجد جاء بسيطًا: “الحمد لله رب العالمين… نحمد الله على ما أصابنا، وإن شاء الله يتعالج ويرجع لصحته وشبابه وعائلته وشغله”.
هذا التسليم لم يكن استسلامًا، بل كان شكلًا من أشكال القوة الهادئة، تلك التي لا تُرى لكنها تُحس في نبرة الصوت وثبات الكلمات.
لكن خلف هذا الثبات، يكمن وجعٌ كبير. يقول أحمد: “أمجد ما كان بس أخ… كان سندًا للكل، كان عونًا لوالدنا المريض، وكان واقفًا مع إخوتنا في كل شيء، واليوم هو وقع… ووقع معه كل شيء”. يصمت قليلًا ثم يضيف: “من حقه يتعالج، هذا شاب، مش ختيار، ولسه الحياة قدامه”.
وكأن مصاب العائلة لا يكتفي بجرحٍ واحد، فإلى جانب إصابة أمجد، لديهم شقيقة تبلغ من العمر 38 عامًا تعاني من شلل دماغي، ما يضاعف حجم المعاناة اليومية. في بيتٍ واحد، يتقاسم الألم أكثر من جسد وأكثر من روح.
“بنلف على كل صيدليات المدينة”، يقول أحمد لصحيفة "فلسطين"، “ندور على الشاش الطبي، على أكياس البول، على القساطر… أشياء بسيطة لكنها مش موجودة”. حتى الحفاضات الطبية أصبحت عبئًا ثقيلًا. يروي بحسرة: “مرة اشترينا الكيس بـ1070 شيكل، وفيه 36 قطعة بس… كيف بدنا نكمل؟”.

في ظل هذا الواقع، لا يبدو العلاج مجرد حاجة طبية، بل ضرورة إنسانية عاجلة. أمجد لا يستطيع الجلوس على كرسي متحرك ولا يحتمل التنقل، وحالته تتطلب سفرًا سريعًا لتلقي العلاج المناسب، لكن الطريق إلى العلاج ليس مفتوحًا، بل مليء بالانتظار.
انتظار الموافقة، وانتظار الدور، وانتظار المعبر… انتظار يشبه الوقوف على حافة الزمن، حيث كل يوم يمرّ يُثقل الجسد أكثر ويُرهق الروح أكثر.
“حياته واقفة”، يقول أحمد، “مش بس لأنه مش قادر يتحرك، لكن لأنه عالق… لا هو قادر يتعالج ولا قادر يرجع لحياته”.
في هذا الانتظار، تتحول الأيام إلى عبء، والساعات إلى اختبار صبر، بينما يبقى الأمل معلقًا بخيطٍ رفيع.

