فلسطين أون لاين

القدس في زمن النكبة... بين المعارك الميدانية والتحولات المصيرية

صاغت أحداث "النكبة" عام 1948 حياة الفلسطينيين حتى يومنا هذا، فقد شكلت نقطة تحول مفصلية أعادت تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والوعي الجمعي للشعب الفلسطيني، وفي قلب هذه التحولات، برزت مدينة القدس بوصفها ساحة مركزية للصراع، حيث تداخلت فيها المواجهات العسكرية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، وفي هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى استعراض أبرز محطات النكبة في القدس.

شكلت القدس بؤرة صراع ومواجهة مع الاحتلال، ومنها خرجت أبرز الثورات والهبات الفلسطينية إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين، من انتفاضة النبي موسى عام 1920، وثورة البراق عام 1929، وصولًا إلى مشاركة القدس الفاعلة في ثورة عام 1936، وقام الثوار الفلسطينيون بشن عدد كبير من العمليات النوعية، التي استهدفت الوجود اليهودي في المدينة، أو مواكب وعناصر من قوات الاحتلال البريطاني في المدينة، وعلى الرغم من ضعف تسليح المقاومين الفلسطينيين، لكنهم استطاعوا تشكيل حالة مقاومة تركت بصمتها في مجريات ثورة 1936.

وعلى أثر هذه الأحداث، بدأت المنظمات الصهيونية التحضير للمعركة القادمة في القدس المحتلة، فمنذ عام 1945 بدأت الاستعدادات العسكرية لهذه العصابات في المدينة، وبلغ عدد المقاتلين الصهاينة عشية قرار تقسيم فلسطين نحو 2500 مقاتل من منظمة "الهاغانا"، إضافة إلى العديد من عناصر منظمتي "الإيتسل" و"الليحي"، وكانوا يمتلكون ترسانة عسكرية كبيرة، حصلوا عليها بدعم من الاحتلال البريطاني.

وعلى الرغم من حجم الاستعداد الصهيوني، تمكن العرب من الإمساك بزمام المعركة في مدينة القدس، حيث استطاعوا فرض الحصار على الأحياء اليهودية، على الرغم من الأعداد الكبيرة للمقاتلين اليهود، وفرضوا مراقبة مشددة على مداخل القدس ومخارجها، وعلى الطرق التي تربط المدينة بباقي المناطق الفلسطينية، وهو ما منع اليهود من إرسال أي دعم للأحياء اليهوديّة في المدينة، حيث تحولت قوافل المؤن والعتاد إلى كمائن تسببت في خسائر فادحة للمستوطنين، وأمام هذا الواقع قرر بن غوريون إطلاق حملة عسكرية تكسر الحصار ولإيصال الدعم لليهود في المدينة، ووضعت القيادة الصهيونية في خطتها استهداف أكبر عدد من القرى الفلسطينية، وتهجير سكانها منها.

أُطلق على هذا الهجوم الخطة "د"، وانطلقت في الأول من نيسان/أبريل 1948، بمشاركة 1500 جندي صهيونيّ، وخلال تحركها ارتكبت القوات الصهيونية مجازر في قرى دير ياسين والقسطل، واحتلت العديد من القرى المحيطة، وفي 10/4/1948 فتحت قوات الاحتلال الطريق إلى مدينة القدس، واستطاعت قوات صهيونيّة أخرى احتلال المرتفعات المطلة على ممر باب الواد، وفي 20/4/1948 أعادت القوات العربية السيطرة عليها، وعلى الرغم من هذا استطاعت القوات اليهوديّة إدخال كميات ضخمة من المؤن والأسلحة إلى الأحياء اليهودية في القدس، وكان لاستشهاد عبد القادر الحسيني أثر سلبي على معنويات المدافعين عن القدس، لما له من دور جوهري في الثورات الفلسطينية وفي معركة القسطل.

وجاء إعلان سلطات الاحتلال البريطاني انسحابها من فلسطين في 15/5/1948، فرصة للعصابات الصهيونية لكي تستفيد من حالة الفراغ، التي ستعقب انسحاب القوات البريطانية، حيث تأهبت "الهاغانا" وقوتها الضاربة "البلماخ"، لشن حملة عسكرية جديدة تستهدف احتلال مدينة القدس، والسيطرة على مفاصل المدينة قبل الموعد المقرر لإعلان دولة "إسرائيل". وشهدت الأيام اللاحقة لانسحاب القوات البريطانية معارك شديدة في مدينة القدس، حتى أطلق المقدسيون على الأيام الخمسة ما بين 14 و19 أيار/مايو "الأيام الحمراء" لشدة المعارك وضراوتها، وسقط العديد من الشهداء، وامتلأت مستشفى الهوسبيس بالجرحى، وقاتل المقدسيون ومن صمد في المدينة من المجاهدين العرب في وجه الهجمة الصهيونية.

وفي صباح 14/5/1948 انسحب الجيش البريطاني من القدس، وتم إنزال العلم البريطاني عن قصر المندوب السامي، وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم غادر المندوب السامي السير ألن كننغهام المدينة. ولم تكد سيارة المندوب السامي تغادر القدس، حتى بدأ اليهود هجومهم على المدينة على كل الجبهات، مستهدفين السيطرة على الأماكن الاستراتيجية التي كان يشغلها البريطانيون.

وكانت حدة المعارك بين العرب واليهود في القدس شديدة جدًا، حيث ركزت "الهاغانا" قواتها الرئيسة على المنطقة الواقعة جنوب شرق القدس في فندق الملك داود ومنطقة السكة الحديدية، قامت قوات "الأرغون" باحتلال الشيخ جراح، وحاولت القوات الصهيونية احتلال القدس القديمة عدة مرات، وحاولوا إضعاف المقاومة من خلال قصف المدينة بالمدفعية، ثم هاجمت كتيبة إسرائيلية المدينة من باب صهيون في الجنوب، وأخرى من الباب الجديد في الشمال.

واستطاعت القوات الصهيونية فرض حصار شديد على البلدة القديمة، التي أصبحت ممتلئة بالمقاتلين وسكان القدس وما فيها من لاجئين، وفي 17/5/1948 استطاعت قوات "الهاغانا" إحداث ثغرة كبيرة في سور المدينة عند باب النبي داود، بعد هجوم كاسح على طول جبهة المدينة، واستغلت "الهاغانا" هذه الثغرة وأدخلت المؤن والعتاد إلى الحي اليهودي، وتمركز عناصرها داخل الحي بالقرب من المسجد الأقصى، ما رفع معنويات اليهود في الحي بعد حصار طويل، وأعطتهم دعمًا للاستمرار في الحرب.

ومع هذا الوضع المتدهور في القدس، وصلت إلى المدينة كتيبة من الجيش الأردني، ونجدات من رام الله وبيت لحم، ومتطوعون من جماعة الإخوان المسلمين، وقامت كتائب جيش الإنقاذ المتمركزة في النبي صموئيل بقصف الأحياء اليهودية، ما أسهم في تخفيف الضغط عن البلدة القديمة، وشكل وصول القوات الأردنية النظامية والتطوعية إلى القدس انفراجةً في الوضع العسكري في المدينة، ما دفع اليهود إلى النزوح عن الحي اليهودي في البلدة القديمة خوفًا من ردة فعل العرب.

استمرت المعارك حتى 26/5/1948، وتحول سير المعارك إلى الجانب العربي، حيث صدت القوات العربية قوات "الهاغانا"، وفرضت حصارًا شديدًا على الحي اليهودي، واستمر قصف الحي حتى 28/5/1948، فطلب المحاصرون في الحي الاستسلام، وتضمنت شروط الاستسلام تسليم السلاح والذخائر الموجودة بحوزة السكان، وأسر جميع المحاربين والقادرين على حمل السلاح، وبعد توقيع اتفاقية الاستسلام أخذ العرب 340 أسيرًا، وأُخلي الحي اليهودي من سكانه الذين بقوا حتى نهاية المعارك.

وعلى الرغم من الأحداث القاسية التي مرت على سكان المدينة، عززت النكبة التضامن بين مختلف شرائح المجتمع المقدسي، فقد لجأ إلى المدينة فلسطينيون من مختلف المناطق التي شهدت مجازر وتم تهجير سكانها، وتلقى اللاجئون في المدينة المساعدة من دون أي اعتبار لأي خلفية دينيّة أو ثقافيّة، فقد صهرت النكبة المقدسيين، ورفعت من قدرتهم على مواجهة الأخطار والمحن.

وعلى صعيدٍ آخر، انعكست النكبة سلبًا على موقع مدينة القدس، حيث تراجعت مكانتها بعد احتلال باقي الأراضي الفلسطينية، فبعد ازدهار القدس في نهاية القرن التاسع عشر، وتطور مساحتها وخروجها خارج الأسوار القديمة، وإنشاء العديد من الأحياء التي ضمت أنماط عمارة جديدة، ومرافق عامة كالمدارس والكليات وغيرها، ورافقت هذه الطفرة ازدهار في النواحي الاقتصادية والثقافية، أجهضت النكبة هذه النهضة المقدسية، ما أثر في التركيب الاجتماعي والاقتصادي لها، وهو ما دفع العديد من أبناء المدينة إلى مغادرتها في محاولة لتجاوز هذه الصعوبات.

في المحصلة، تكشف أحداث النكبة في القدس عن مشهد مركب يجمع بين الصمود والخسارة، والاستبسال في مواجهة المحتلّ ومخططاته، ورسخت تلك التجربة وعيًا جمعيًا لدى المقدسيين بأهمية الوحدة والتكافل في مواجهة الأخطار، وتبقى دروس النكبة حاضرة حتى اليوم، مع استمرار النكبات التي يعانيها الفلسطينيون، وأخيرًا حرب الإبادة في قطاع غزة، ما يحول النكبة من ذكرى تاريخية، إلى مرآة نفهم من خلالها التحديات الراهنة واستشراف سبل الحفاظ على هوية القدس وغزة وكل فلسطين.