فلسطين أون لاين

مقايضة العدالة بالأموال.. هل تتراجع السلطة عن ملاحقة "إسرائيل" مقابل "المقاصة"؟

...
رئيس السلطة محمود عباس (أرشيف)
غزة/ نور الدين صالح:

تتصاعد في الأوساط السياسية الفلسطينية حالة من الجدل والقلق، على خلفية تقارير تتحدث عن مفاوضات تقودها السلطة برام الله برئاسة محمود عباس، تهدف إلى إسقاط أو إضعاف الشكوى المقدّمة ضد (إسرائيل) في محكمة العدل الدولية بشأن ارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، والتي كانت قد رفعتها جنوب أفريقيا، مقابل الإفراج عن عائدات الضرائب الفلسطينية المحتجزة (المقاصة).

هذه الخطوة تفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول الأولويات السياسية والأخلاقية لقيادة السلطة في لحظة توصف بأنها من الأكثر دموية في تاريخ القضية.

وكانت مصادر عربية وفلسطينية كشفت أن السلطة بقيادة رئيس السلطة محمود عباس تخوض مفاوضات لإقناع جنوب أفريقيا والدول المتحالفة معها بسحب شكواها ضد (إسرائيل) من محكمة العدل الدولية لارتكابها جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، مقابل الإفراج عن أموال عائدات الضرائب “المقاصة” المحتجزة لدى الاحتلال.

وأكدت المصادر لموقع "أوروبا بالعربي" أن مفاوضات، وصفت بالمتقدمة، تجري بين السلطة، بمبادرة من رام الله، مع 13 دولة وسيطة، معظمها غربية، كي يطلب عباس رسمياً من جنوب أفريقيا، والدول التي انضمت للدعوى القضائية المرفوعة ضد (إسرائيل) منذ نهاية العام 2023، سحب الشكوى من أمام محكمة العدل الدولية، مقابل أن تفرج (إسرائيل) عن أموال المقاصة.

الدبلوماسي الفلسطيني الأسبق د. ربحي حلوم انتقد أداء السلطة تجاه قطاع غزة، معتبراً أنها "منشغلة بتأمين مواردها المالية على حساب دماء الشعب الفلسطيني".

ويرى حلوم في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن السلطة كان بإمكانها، منذ بداية العدوان، لعب دور أكثر فاعلية عبر التقدّم بمذكرات رسمية إلى محكمة العدل الدولية، بما يعزز المسار القانوني الدولي لمحاسبة الاحتلال. ويشير حلوم إلى أن غياب التمثيل الفلسطيني الرسمي الفاعل في هذه المحافل يضعف القضية، رغم الزخم الشعبي والدولي الداعم.

ويؤكد أن الآليات القانونية الدولية، متى تم تفعيلها بشكل صحيح، يمكن أن تفضي إلى ملاحقة قادة إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفرض قيود دولية عليهم، بما في ذلك أوامر توقيف أو تقييد الحركة. لكنه يشدد على أن ذلك يتطلب موقفاً فلسطينياً رسمياً واضحاً، لا سيما من الجهة التي يفترض أنها تمثل الشعب الفلسطيني.

في السياق ذاته، يربط حلوم بين ما يجري وبين ما يصفه بـ"تغييب دور السلطة"، معتبراً أن صمود الفلسطينيين في غزة والشتات هو العامل الأساسي في استمرار القضية حية على الساحة الدولية، رغم ما يتعرض له القطاع من قصف مستمر وسقوط آلاف الضحايا.

من جانبه، يحذّر الخبير في الشأن السياسي عدنان الصباح من خطورة هذه الخطوة، واصفاً إياها – إن تأكدت – بأنها "أكبر كارثة في تاريخ القضية الوطنية الفلسطينية".

ويرى الصباح في حديثه لـ "فلسطين"، أن التنازل عن المسار القانوني الدولي لمحاسبة (إسرائيل) على جرائمها في غزة لا يمكن تبريره بأي مقابل مالي، حتى لو كان بحجم عائدات المقاصة كاملة.

ويؤكد الصباح أن القضية المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية تمثل إنجازاً سياسياً وقانونياً مهماً، خاصة في ظل تنامي التضامن الدولي مع الفلسطينيين، وانضمام دول عدة لدعم الدعوى، فضلاً عن تصاعد الضغوط السياسية على (إسرائيل).

ويشير إلى أن هذا المسار القانوني أسهم في عزل حكومة الاحتلال دولياً، وإحراج قيادتها، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، في العديد من المحافل الدولية.

ويحذّر من أن أي تراجع فلسطيني عن هذا المسار سيؤدي إلى فقدان ثقة المجتمع الدولي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضاً على المستوى الأخلاقي والقيمي.

كما قد يُنظر إليه كمنح "صك براءة" للاحتلال من جرائم وُصفت بأنها من الأبشع في العصر الحديث، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة، والانتهاكات المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس.

ويرى الصباح أن مثل هذه الخطوة، إن حدثت، ستؤدي إلى سخط شعبي واسع، وقد تُحدث شرخاً عميقاً بين الشارع الفلسطيني وقيادته السياسية، في وقت تتطلب فيه المرحلة تعزيز الوحدة الداخلية واستثمار الزخم الدولي المتنامي لصالح القضية الفلسطينية.

وتعكس هذه التصريحات حالة من الانقسام الحاد في تقييم أداء السلطة، وتطرح تساؤلات جوهرية حول التوازن بين الضرورات الاقتصادية والالتزامات الوطنية. ويكشف تداول هذه المفاوضات عن أزمة ثقة متفاقمة، ويضع القيادة الفلسطينية أمام اختبار صعب: إما المضي في مسار العدالة الدولية مهما كانت الكلفة، أو الانخراط في تسويات قد تُفسَّر على أنها تنازل عن حقوق أساسية للشعب الفلسطيني.

المصدر / فلسطين أون لاين