في الوقت الذي يغرق فيه القطاع في سكون الليل، كان هناك من يشقّ العتمة بصمت، حاملاً أمانة الكلمة قبل بزوغ الفجر. اليوم، تودّع أسرة صحيفة "فلسطين" أحد أعمدتها الصامتة، زكريا هاشم الشرفا، بعد مسيرة امتدت لأكثر من 18 عامًا من العطاء والوفاء.
لم يكن الشرفا مجرد سائق، بل كان حلقة وصل يومية بين المطبعة والناس، وناقلًا للحقيقة، جاب شوارع غزة من شمالها إلى جنوبها، ليضمن وصول صوتها بالرغم من كل الظروف.
يستذكر الشرفا (63 عامًا)، وهو أب لثلاث بنات وولدين، وجدّ لأحفاد يملؤون حياته، بدايات رحلته الطويلة خلف مقود السيارة، متنقلًا بين المطبعة ومراكز التوزيع.
يقول وعيناه تلمعان: "كنت أخرج من منزلي والناس نيام، في سكون لا يقطعه إلا صوت الرياح. كنت أشعر بسعادة كبيرة لأن هذا العمل كان مصدر رزقي الذي ربّيت بواسطته أبنائي وزوّجتهم، ولم يبقَ سوى شاب واحد أتمنى أن أراه مستقرًا".
بنبرة يختلط فيها الفخر بالألم، يتحدث أبو الوليد عن سنوات الحرب: "واجهت غزة أكثر من حرب مدمّرة، ومع كل تصعيد كنت أصرّ على الخروج لأداء واجبي. كان أهلي يعيشون قلقًا دائمًا عليّ، يودّعونني بالدعاء كل ليلة، ولا يطمئنون إلا مع عودتي مع خيوط الفجر".
لم تكن الطريق سهلة، ففي ليالي الشتاء القاسية، كان يواجه البرد والظلام وحيدًا. يقول: "أحيانًا كنت أشعر وكأنني في صحراء شاسعة، لكنني كنت أستمد قوتي من إيماني بأنني أنقل رسالة الناس. كنت أقول لنفسي: إذا لم تصل أنت، فلن تصل حكاياهم".
دفعت الحرب أبا الوليد ثمنًا قاسيًا، إذ تعرّض منزله للقصف، واضطر للنزوح أكثر من مرة، متنقّلًا بين الخيام ومراكز الإيواء. ومع توقف طباعة النسخ الورقية خلال العامين الأخيرين بسبب خطورة الأوضاع، وجد نفسه بعيدًا عن عمله الذي اعتاده.
يقول بحسرة: "لم أستطع التأقلم مع هذا الفراغ. كنت أجلس لساعات طويلة شارداً، أشتاق لرائحة الورق وصوت المطبعة".
وبكثير من الشجن، يستذكر زملاءه الذين ارتقوا شهداء: "عرفت في هذا المكان رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم غسان غزال، وأحمد الصواف، وتامر جرادة. كما لا أنسى زميلي السائق جهاد عبد الله، كان نعم السند. رحلوا وبقيت ذكراهم ترافقني في كل طريق".
وقبل أن يطوي صفحته المهنية، يوجّه أبو الوليد رسالة لزملائه: "أوصيكم بتقوى الله، والعمل بإخلاص واجتهاد. أنتم تحملون رسالة عظيمة، تنقلون الحقيقة ومعاناة شعبنا، فلا تتراجعوا، فالكلمة أمانة".
تقديرًا لمسيرته، أقامت إدارة الصحيفة حفل تكريم بحضور المدير العام د.إياد القرا، الذي أشاد بإخلاصه والتزامه، مؤكدًا أنه كان نموذجًا للجندي المجهول في أحلك الظروف.
ورغم رمزية الحفل، فقد جاء في ظروف استثنائية، مع نزوح عدد كبير من الزملاء، ما جعل الوداع يقتصر على من استطاع الحضور من "رفاق المهمات الصعبة".
يغادر زكريا الشرفا صحيفة "فلسطين"، لكن صدى محركه الذي شقّ ليل غزة لسنوات سيبقى حاضرًا في ذاكرة المكان وقلوب زملائه.
يرحل "فارس الفجر"، تاركًا إرثًا من الوفاء والمحبة، وأثرًا لا يمحوه الزمن.


