فلسطين أون لاين

من إعدام الزوج إلى زنازين الأسر... يسرى أبو الخير وحفيدتاها يروين 55 يومًا من الجحيم

...
المسنّة يسرى أبو الخير وحفيدتاها
غزة/ جمال غيث:

بين فقدٍ موجع واعتقال قاسٍ، تروي المسنّة يسرى أبو الخير (70 عامًا) وحفيدتاها تفاصيل 55 يومًا من المعاناة داخل سجون الاحتلال، بدأت بإعدام زوجها أمام عينيها، وانتهت بخروجٍ مثقل بذكريات التعذيب والخوف والفقد.

في زاوية منزل متواضع، تحاول أبو الخير استعادة أنفاسها، لكن ذاكرة الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023 لا تمنحها فرصة للهدوء. ففي ذلك اليوم، تحوّل منزل العائلة في حي الزيتون شرقي مدينة غزة إلى مسرح جريمة، حين اقتحم أكثر من خمسين جنديًا إسرائيليًا المكان الذي لجأت إليه الأسرة، لتبدأ رحلة عذاب امتدت 55 يومًا.

إعدام الزوج

تقول يسرى بصوت مبحوح لصحيفة "فلسطين": "فجّروا الباب دون إنذار، ثم أطلقوا الرصاص على زوجي رفيق (77 عامًا)، الذي كان طريح الفراش بسبب مرض الزهايمر. أصابوه برصاصتين في الرأس والقلب، فاستشهد على الفور أمام أعيننا، ولم نستطع حتى توديعه".

لم تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ كان في المنزل نحو 18 فردًا، بينهم نجلها مصطفى (40 عامًا) الذي خضع لعملية جراحية قبل شهرين وكان بالكاد يستطيع الحركة.

تضيف: "اقتحم الجنود المكان، واقتادوا مصطفى وشقيقه أحمد (49 عامًا) ونجل الأخير ساجد (20 عامًا)، جرّدوهم من ملابسهم، وقيّدوا أيديهم، وعصبوا أعينهم، ثم تركوهم في الشارع".

وتتابع: "كان الجنود يتحدثون العبرية والإنجليزية والفرنسية، ويصرخون بكلمات عربية مثل: "شيكِت، شيكِت". أجبروني، مع زوجة ابني وحفيداتي، على الزحف إلى غرفة أخرى، وهناك فقدت الوعي من شدة الصدمة".

ولم يقتصر الأمر على العنف الجسدي، بل امتد إلى النهب، إذ تؤكد يسرى أن الجنود سرقوا نحو 9000 شيكل من حقيبتها، وألقوا بأدويتها الحيوية رغم معاناتها من أمراض مزمنة، وهي اليوم تناشد توفير كرسي متحرك يساعدها على التنقل.

بعد إخراج الرجال، اقتيدت يسرى وحفيدتاها سجود (18 عامًا) وتقى (15 عامًا) إلى منزل مجاور اتخذته قوات الاحتلال مقرًا للتحقيق. هناك بدأت مرحلة جديدة من المعاناة.

تقول: "أجلسوا الرجال على كراسٍ، وقيّدوا أيديهم وأرجلهم، واعتدوا عليهم بالضرب والشتائم، وحققوا معهم حول أماكن وجود المقاومة والأسرى الإسرائيليين".

وتصف الأيام الستة الأولى بأنها "كابوس متواصل"، حيث كان الجنود يأكلون ويشربون أمام المعتقلين، ويشغلون الموسيقى الصاخبة، ويسلطون أشعة الليزر على وجوههم لترويعهم.

وتضيف: "بقينا مقيدين ستة أيام دون طعام كافٍ أو دواء، وعندما طلبت دواء القلب، أعطوني مسكنًا مرة واحدة فقط".

تعذيب وتهديد

تروي الحفيدة تقى تفاصيل التحقيق الفردي: "أدخلني جندي إلى غرفة منفردة، كان يهددني بالإعدام ويطالبني بمعلومات عن المقاومة. عرض عليّ صورًا لأسرى إسرائيليين، لكنني لم أعرف شيئًا".

وبعد ساعات من التحقيق، بدأت رحلة النقل في شاحنات مكشوفة. تقول: "كنا مكدسين فوق بعضنا، والجرحى ينزفون، وكلما تأوّه أحدهم، انهالوا عليه ضربًا. كان السائق يتعمد السير بسرعة لنتدافع ونتألم أكثر".

وتضيف: "عند وصولنا إلى منطقة غلاف غزة، تعرضنا للضرب مجددًا، ثم نُقلنا إلى مركز توقيف "عناتوت" في القدس المحتلة، حيث جُرّدنا من ملابسنا وأُجبرنا على ارتداء ملابس السجن".

تستذكر سجود (18 عامًا) لحظة وصول شقيقتها تقى: "سمعت أنها أُعدمت، فحبست دموعي خوفًا على جدتي، لكنني فوجئت بها تدخل السجن، فاندفعت لاحتضانها رغم القيود".

وتروي تفاصيل النقل إلى سجن "الدامون"، حيث استغرقت الرحلة ساعات طويلة وهم مقيدون ومعصوبو الأعين.

وتضيف: "كِدت أختنق خلال النقل، وعندما استغثت، زادوا الضغط عليّ وضربوني".

وأشارت إلى أن إدارة السجن أجبرتهن على توقيع وثائق باللغة العبرية تحت التهديد، قبل أن يُسمح لهن بالبقاء في غرفة واحدة لمساندة الجدة، التي كانت عاجزة عن الحركة.

معاناة مستمرة

تعود يسرى لتقول: "عشنا 55 يومًا في عزلة تامة، لا نعرف مصير أبنائنا. كانت الليالي الأصعب حين تقتحم وحدات القمع الغرف، وتسلّط الأضواء على وجوهنا لإجبارنا على الاستيقاظ".

وتضيف: "كان الطعام شحيحًا، والأدوية معدومة، والبرد قاسيًا".

وتشير إلى أن العائلة لم تعلم بخبر اعتقالهم إلا عبر وسائل الإعلام، بعد أن نقلت أسيرة مفرج عنها خبر وجودهم في السجن.

وتصف واحدة من أقسى اللحظات خلال نقلهم إلى معتقل "سدي تيمان"، حيث أُجبروا على الجلوس لساعات طويلة مكبّلي الأيدي، ورؤوسهم منحنية، وسط صرخات معتقلين يتعرضون للتعذيب.

تقول: "كنا نسمع أصوات تكسير عظامهم واستغاثاتهم... كان مشهدًا مرعبًا".

فقد متواصل

لم تبدأ معاناة يسرى مع هذه الحرب، فهي أم لشهيدين: إبراهيم الذي استشهد في حرب 2008-2009، ومحمد الذي استشهد في يونيو/حزيران 2025، كما فقدت ابنتها نجلاء عام 2019 بعد صراع مع المرض، قبل أن تفقد زوجها في هذه الجريمة.

تقول وهي تحبس دموعها: "كل ليلة أتخيل صرخات المعذبين، وأخشى أن يكون أبنائي بينهم".

بعد 55 يومًا، جاء قرار الإفراج. تروي تقى: "فرحت حين نادوا اسمي، لكن فرحتي لم تكتمل لأن جدتي وأختي لم تكونا ضمن القائمة. ثم أبلغونا لاحقًا بخروجهما".

لكن المعاناة لم تنتهِ، إذ نُقلن إلى معتقل "سدي تيمان"، حيث قضين خمسة أيام إضافية دون طعام كافٍ أو رعاية طبية، قبل الإفراج عنهن.

تقول يسرى: "خرجنا لنجد غزة مدمّرة، وأفراد عائلتنا مشتتين بين الشمال والجنوب، فيما لا يزال ابني مصطفى في الأسر، ولا نعرف مصيره".

وتضيف تقى: "في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، استُهدف منزل العائلة، فاستشهد شقيقي إبراهيم و16 من أقاربنا".

نداء إلى العالم

وبين الحين والآخر، تصمت يسرى للحظات، ثم ترفع صوتها: "لم يرحموا كبار السن ولا الأطفال".

وتناشد أحرار العالم العمل على إطلاق سراح الأسرى ووقف الانتهاكات داخل السجون، وتختم بقولها: "كل ليلة أخشى أن يكون أبنائي بين من يُعذَّبون".

ووفق مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى، تواصل سلطات الاحتلال احتجاز نحو 9600 أسير، بينهم 86 أسيرة ونحو 350 طفلًا، إضافة إلى أكثر من 3500 معتقل إداري دون محاكمة. كما ارتفع عدد الأسرى الذين استشهدوا منذ عام 1967 إلى 326 أسيرًا، بينهم 89 منذ بدء الحرب على غزة، في ظل استمرار الغموض حول مصير معتقلين من القطاع

المصدر / فلسطين أون لاين