فلسطين أون لاين

تقرير غزة... حياة معلّقة على شاحنات المساعدات

...
شاحنات مساعدات إنسانية تابعة للهلال الأحمر المصري (أرشيف)
غزة/ عبد الله التركماني:

تعد المساعدات الإنسانية في قطاع غزة شريان حياة يوميا يعتمد عليه مئات الآلاف من السكان للبقاء. فمع استمرار الحرب وتدمير البنية الاقتصادية، فقد معظم السكان مصادر دخلهم، وتوقفت الأعمال والمهن، ما دفع بالعائلات إلى الاعتماد شبه الكامل على ما تقدمه المؤسسات الإغاثية من مواد غذائية أساسية.

وبين طوابير الانتظار الطويلة، وأصوات الأطفال الباحثين عن لقمة، تتشكل ملامح واقع جديد تُختزل فيه الكرامة الإنسانية في "سلة غذائية" لا تكفي غالباً لسد الحد الأدنى من الاحتياجات.

وتشير بيانات صادرة عن جهات أممية وإغاثية إلى أن نحو 80% من سكان قطاع غزة يعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية للحصول على الغذاء، في ظل الانهيار شبه الكامل للاقتصاد المحلي، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة. كما تؤكد هذه الجهات أن انعدام الأمن الغذائي بات يهدد غالبية السكان، مع تراجع القدرة الشرائية، وندرة المواد الأساسية، وتضرر سلاسل الإمداد نتيجة الحرب.

داخل خيمة مهترئة في أحد مخيمات الإيواء بحي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، يجلس ضياء الدين أبو ثريا محاطاً بأطفاله الستة، بينما تحاول زوجته إعداد وجبة بسيطة من المعلبات التي حصلوا عليها قبل يومين. يقول أبو ثريا، الذي كان يعمل محاسباً في شركة استيراد وتصدير دُمّرت بالكامل خلال الحرب لصحيفة "فلسطين": "كنت أملك حياة مستقرة، وراتباً يكفيني أنا وعائلتي… اليوم أنا أقف في طابور لساعات من أجل كيس طحين".

يتحدث الرجل الأربعيني بصوت متعب، بينما ينظر إلى أطفاله الذين ينتظرون الطعام: "أصعب شيء ليس الجوع… بل شعور العجز. أن ترى أبناءك جائعين ولا تستطيع أن تفعل شيئاً".

يعتمد أبو ثريا بشكل كامل على المساعدات الإنسانية التي تصل بشكل متقطع. يوضح: "أحياناً نحصل على سلة غذائية تكفينا لأيام قليلة، وأحياناً ننتظر أسبوعاً كاملاً دون شيء. نضطر لتقليل عدد الوجبات، أو الاكتفاء بالخبز والشاي".

ويضيف أن الحياة في المخيم لا توفر الحد الأدنى من الكرامة: "نحن ثمانية أشخاص في خيمة واحدة… لا خصوصية، ولا مياه كافية، ولا غذاء متوازن. الأطفال بدأوا يعانون من ضعف واضح".

زوجته، التي كانت تساعده في إدارة شؤون المنزل، تقول: "نحاول أن نخترع وجبات من لا شيء… أحياناً أخلط ما تبقى من العدس مع الأرز لأصنع شيئاً يشبه الطعام".

رغم كل ذلك، لا يزال أبو ثريا متمسكاً بأمل ضعيف: "لا أريد مساعدات فقط… أريد عملاً. أريد أن أعود إنساناً منتجاً، لا مجرد رقم في قوائم الإغاثة".

"أريد فرصة"

في مخيم إيواء آخر غرب مدينة غزة، تجلس هدى أبو العيش أمام خيمتها، تراقب أطفالها السبعة وهم يتقاسمون وجبة بسيطة من الأرز. منذ اندلاع الحرب، أصبحت هدى المعيل الوحيد لعائلتها، بعد أن فقد زوجها عمله وتدهورت حالته النفسية بشكل كبير.

تقول هدى لصحيفة "فلسطين": "المساعدات مهمة جداً… لولاها لكنا جوعنا. لكنها لا تكفي، ولا يمكن أن تكون حياة".

توضح أن الأسرة تعتمد بشكل شبه كامل على ما يصلهم من مواد غذائية: "نحصل على الطحين أو الأرز أو المعلبات، لكن لا يوجد تنوع… الأطفال بحاجة إلى غذاء أفضل".

زوجها، الذي كان يعمل قبل الحرب، لم يعد قادراً على العمل: "الحرب كسرتنا… زوجي كان عمود البيت، اليوم هو عاجز عن توفير أي شيء. هذا يؤلمه أكثر من الجوع".

وتتابع: "أنا لا أريد أن أعيش على المساعدات طول حياتي. أريد فرصة… أي عمل، أي مصدر دخل".

تصف هدى تفاصيل يومها: "أستيقظ كل صباح وأنا أفكر: ماذا سأطعم أطفالي اليوم؟ أحياناً أرسلهم للنوم مبكراً حتى لا يشعروا بالجوع".

وتضيف: "أطفالي يسألونني: متى سنعود لبيتنا؟ متى سنأكل مثل قبل؟ لا أملك إجابة".

رغم ذلك، تحاول هدى الحفاظ على تماسك أسرتها: "نحاول أن نكون أقوياء… لكن الحقيقة أننا نعيش يوماً بيوم، على أمل أن يتغير شيء".

انهيار اقتصادي

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر أن اعتماد هذا العدد الكبير من السكان على المساعدات الإنسانية يعكس "انهياراً غير مسبوق في البنية الاقتصادية لقطاع غزة". ويقول لـ"فلسطين": "نحن أمام اقتصاد مشلول تقريباً، حيث توقفت معظم الأنشطة الإنتاجية، ودُمّرت آلاف المنشآت، ما أدى إلى فقدان مئات آلاف الوظائف".

ويضيف: "عندما يعتمد 80% من السكان على المساعدات الغذائية، فهذا يعني أن السوق المحلي لم يعد قادراً على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات، وأن القدرة الشرائية للسكان شبه معدومة".

ويشير أبو قمر إلى أن معدلات البطالة والفقر وصلت إلى مستويات قياسية: "نسب البطالة تجاوزت حدوداً غير مسبوقة، ومعظم الأسر فقدت مصادر دخلها بالكامل، ما جعل المساعدات ليست خياراً، بل ضرورة للبقاء".

ويحذر من تداعيات طويلة الأمد لهذا الواقع: "الاعتماد المستمر على المساعدات يخلق حالة من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤثر على كرامة الإنسان وقدرته على الاعتماد على نفسه".

ويختم بالقول: "الحل لا يكمن فقط في زيادة المساعدات، بل في إعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتمكين الناس من استعادة قدرتهم على الإنتاج… لأن الكرامة تبدأ من العمل، لا من الطوابير".

المصدر / فلسطين أون لاين