لا تُحسم فرص الاختراق في لقاءات القاهرة بما يُعرض من أوراق ومقترحات، بل بما يجري على الأرض. فالميدان، بتصعيده اليومي وعمليات الاغتيال والاستهداف، يقدّم المؤشر الأكثر دقة على اتجاهات المرحلة.
وفي هذا السياق، يبدو أن الاحتلال يتعامل مع التفاوض كمسار منفصل، بل يعمل على تقويضه عملياً، عبر فرض وقائع ميدانية تُفرغ أي اتفاق محتمل من مضمونه قبل أن يرى النور.
يواصل الاحتلال توسيع ما يُسمى “المنطقة الصفراء”، وتشديد القيود عليها، مع الإبقاء على آليات عمل معبر رفح دون تغيير حقيقي، واستمرار تعطيل إدخال المساعدات والبضائع. هذه السياسات لا تعكس توجهاً نحو التهدئة، بل تؤسس لواقع جديد يُفرض تدريجياً، بالتوازي مع المسار التفاوضي، بما يجعل التفاوض غطاءً لإدارة الأزمة لا حلّها.
في المقابل، أبدت الفصائل الفلسطينية مرونة واضحة تجاه مقترحات الوسطاء، خصوصاً فيما يتعلق بالانتقال إلى المرحلة الثانية، التي يُفترض أن تعالج الخروقات القائمة وتفتح الباب لتنفيذ فعلي للاتفاق. غير أن الاحتلال، وبعد أن حصد مكاسب المرحلة الأولى، وعلى رأسها استعادة أسراه، عاد ليطرح شروطاً جديدة، أبرزها ما يُسمى “نزع سلاح المقاومة”، كشرط مسبق لأي تقدم.
يشكّل هذا الطرح جوهر الأزمة، إذ يُستخدم كأداة لتعطيل المسار لا كمدخل لحل واقعي.
فغياب أي تصور عملي أو ضمانات متبادلة حول هذا الملف يكشف أنه أقرب إلى ذريعة سياسية لإطالة أمد الأزمة، وهو ما أدركه الوسطاء قبل الفصائل، في ظل غياب نية حقيقية للانتقال إلى مرحلة جديدة.
تزداد الصورة تعقيداً مع دخول العامل الانتخابي داخل الكيان، حيث يتحول التصعيد إلى أداة سياسية في المنافسة الداخلية. وفي هذا الإطار، يُستخدم الدم الفلسطيني كورقة رابحة، خاصة في ظل محاولة القيادة الحالية تجاوز تداعيات إخفاقات سابقة، ما يجعل من التهدئة خياراً مؤجلاً أمام حسابات الداخل.
أمام هذا المشهد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات: استمرار التصعيد والاستنزاف، وهو الأقرب واقعياً في المدى القريب؛ أو خفض نسبي للتوتر مع إدخال تحسينات محدودة، يرتبط بدرجة الضغط الأمريكي واستقرار الجبهات الإقليمية؛ أو التوصل إلى اتفاق شامل لتنفيذ المرحلة الثانية، وهو سيناريو مستبعد حالياً في ظل تمسك الاحتلال بشروط تعجيزية.
إن فرص الاختراق في لقاءات القاهرة تبقى محدودة، لأن جوهر الأزمة لا يكمن في تفاصيل الأوراق، بل في غياب الإرادة لدى الاحتلال، إلى جانب ضبابية الموقف الأمريكي.
وعليه، سيظل الميدان هو المحدد الأول لأي تحول، بينما تبقى الطاولة السياسية انعكاساً له، لا محركاً له.