فلسطين أون لاين

خاص أمّ عاجزة أمام جراح صغيرتيها… الحرب تسلب طفولتهما وتثقل قلبها

...
أمّ عاجزة أمام جراح صغيرتيها… الحرب تسلب طفولتهما وتثقل قلبها
غزة/ هدى الدلو:

في غزة، لا تُقاس الأيام بالتقويم، بل بما تخلّفه من فقدٍ في البيوت والقلوب. هناك، حيث تحاول الأمهات انتزاع الطمأنينة من بين الركام، تقف ملك أبو علبة، الثلاثينية الأم لثلاثة أطفال، شاهدة على يومٍ غيّر ملامح حياتها إلى الأبد.

لم تنزح ملك في المراحل الأولى من الحرب، بقيت في منزلها تؤجل الخوف وتخبئه في صدرها، محاولةً التماسك أمام أطفالها، في حين كانت أصوات القصف تملأ المكان وترسم ملامح الرعب في عيون صغارها.

في الثاني والعشرين من تموز/يوليو 2024، انهار كل شيء دفعة واحدة. قصفٌ إسرائيلي استهدف منزلًا مجاورًا، فاهتزّ المكان وتناثرت الشظايا، وتحولت لحظات عابرة إلى عمرٍ كامل من الألم. أُصيبت ملك وزوجها، كما أُصيبت طفلتاها مريم وسيدرا، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت كما كان، ولا الأم كما عهدت نفسها.

photo_2026-04-30_17-31-36.jpg


تستعيد ملك تفاصيل ذلك اليوم قائلة: “لا يمكن أن أنسى ما حدث، رغم كل ما مررنا به من نزوح وخوف، كان هذا اليوم الأصعب… رأيت الموت أمام عيني”. وتضيف بصوتٍ مثقل: “كنا ننزف أنا ووالدهم، لكننا لم نفكر إلا بإسعاف بناتنا”.

في المستشفى، بدت الفوضى أكبر من الاحتمال. وصلت مريم، الطفلة ذات الأعوام الثلاثة، فاقدة الوعي، بعد إصابة خطيرة في قدمها. وبسبب الضغط الهائل على الطواقم الطبية، تأخر التدخل الجراحي، لتُجرى لها عملية بعد يومٍ ونصف لمحاولة إنقاذ قدمها.

لكن بعد خمسة أيام، فشلت المحاولة، وتفاقم الالتهاب، ليُتخذ القرار الأصعب: بتر قدمها. تقول والدتها بحزن لصحيفة "فلسطين": “كانت مريم قد بدأت لتوها المشي… لم تمضِ فترة لتتعرف على خطواتها الأولى حتى حُرمت منها”.

وتتساءل بحرقة: أي قسوة تجعل طفلة تتعلم المشي لتفقد قدمها؟ وأي زمن يُنتزع فيه الركض من طفلة قبل أن تعرف معنى اللعب؟

لم تتوقف معاناة مريم عند حدود الجسد؛ فقد أصبحت منذ ذلك الحين شديدة الخوف، كثيرة البكاء، سريعة الانفعال، تلتصق بسريرها بدل ألعابها. وهي بحاجة إلى السفر لاستكمال علاجها وتركيب طرف صناعي مناسب، بعد أن فشلت محاولة تركيب طرف داخل غزة لعدم ملاءمته لعمرها.

أما شقيقتها سيدرا (5 أعوام)، فلم تكن أقل ألمًا؛ إذ أصيبت إصابة بالغة في يدها اليمنى، تسببت بقطع في الأعصاب، وتحتاج إلى عملية دقيقة غير متوفرة في مستشفيات القطاع، ما يجعل سفرها للعلاج ضرورة ملحّة.

ورغم ذلك، تحاول سيدرا التمسك بطفولتها، فالتحقت برياض الأطفال، وتعلمت الكتابة بيدها اليسرى، متحدية إصابتها بإرادة صامتة. تقول ملك: “تحاول أن تعيش كغيرها من الأطفال، لكنني أعرف أن المحاولة وحدها لا تكفي”.

photo_2026-04-30_17-31-37.jpg
 

ومنذ شهور، تواصل ملك متابعة طلبات التحويل الطبي لبناتها، تُجددها مرارًا بانتظار فرصة للسفر والعلاج، في وقت تتحمل فيه العبء وحدها تقريبًا، بعد إصابة زوجها التي تستدعي عملية زراعة عظم في قدمه.

لم تطلب ملك من الحياة أكثر من سلامة أطفالها. اليوم، تخوض معركة قاسية من أجل حقهم في العلاج، وفي أن يعيشوا طفولة بلا ألم ولا خوف.

المصدر / فلسطين أون لاين